ثقب الدولار الأسود

concept-money-cash-internet-online-binary

أضواء على التجربة الألمانية في تمويل عملية الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية

الكاتب: محمد غياث العلبي – عبد الحميد القتلان

خرجت ألمانيا الغربية من الحرب العالمية الثانية مدمرة تماماً، حيث انخفض إنتاجها الصناعي إلى ثلث ما كان عليه عام 1936، والبنية التحتية للمواصلات مدمرة تماماً، وربع المساكن مدمرة من قصف الحلفاء، ونصف المباني السكنية مدمرة في المدن، إضافة إلى 7.9 مليون لاجئ داخل ألمانيا و1.5 مليون لاجئ ألماني أتوا من خارج ألمانيا، كذلك صناعة الكهرباء والطاقة مدمرة بشكل كبير، كما انخفضت الحصة الغذائية للشخص إلى 1000 حريرة (الحصة الطبيعية بحدود 2400 حريرة).

*كيف تعافت ألمانيا الغربية؟

بدأت تظهر علامات التعافي على الاقتصاد الألماني مع بداية الخمسينات، لكن الكثيرون قد يعتقدون أن سبب التعافي هو خطة مارشال المشهورة التي قامت فيها الولايات المتحدة بتقديم دعم مالي لأروبا الغربية (بهدف محاربة النفوذ الشيوعي)، لتقوم الأخيرة باستيراد سلع من الولايات المتحدة بقيمة 13 مليار دولار (أي 130 مليار دولار حسب القوة الشرائية للدولار عام 2016)، وقد كانت حصة المانيا الغربية منها حوالي 1.5 مليار دولار (15 مليار دولار بأسعار اليوم).

طبعا عملية الإقراض تعتمد على مبدأ الصندوق المقابل Counterpart Fund والتي تعني إنشاء صندوق بالدولار لكل دولة مقترضة، على أن تقوم الدولة بتسديد القرض عن طريق الاستيراد من الولايات المتحدة والدفع بالعملة المحلية وبالتالي بالنتيجة سيصبح لديها مبلغ المساعدة متوفرة بالعملة الصعبة (الدولار) ومتوفر لاستثماراتها المستقبلية، إضافة إلى تخلصها من الفائض من عملتها المحلية وهذا ما يدعى التأثير المزدوج twofold effect.

طبعاً هذه الطريقة ما تزال متبعة في تقديم المساعدات للدول النامية.

من الطبيعي أن الكثير من القراء سيجد أن المبلغ المقدم متواضع ولا يكفي لإعادة إعمار ألمانيا الغربية، لكن النقطة الأساسية هي في كيفية تمويل ألمانيا الغربية لعملية إعادة الإعمار وليس في كمية المساعدات.

*كيف مولت ألمانيا الغربية عملية إعادة الإعمار؟

قامت ألمانيا الغربية بالتوصل لإنشاء “مؤسسة ائتمان إعادة الإعمار”

KfWKreditanstalt für “Wiederaufbau وذلك في عام 1948، وهو عبارة عن بنك مملوك للحكومة الألمانية الغربية ، ومهمته هو تمويل ورعاية عمليات الاستثمار بهدف إعادة الأعمار، وقد كان القسم الرئيسي من تمويل هذا البنك هو المساعدات المالية المقدمة من الولايات المتحدة عبر خطة مارشال وهو ما يزال يعمل حتى اليوم (آخر تقدير لإجمالي الموجودات عام 2014 هو 490 مليار يورو وإجمالي العائدات 74 مليار يورو).

ارتكزت سياسة الحكومة الألمانية على الحفاظ على احتياطيها النقدي من العملة الصعبة وتنميته، بحيث أنها ركزت على ما يدعى الاستثمارات الإنتاجية Productive Investments، أي الاستثمارات التي تولد إيرادات للحكومة الألمانية مثل الاستثمار في مجال الصناعة والطاقة والبنية التحتية لخدمة الإنتاج مثل المرافئ والسكك الحديد، ووضعت خطة زمنية لإدارة هذه الاستثمارات بحيث تكون بالنتيجة الاستثمارات تولد إيرادات إيجابية، فمثلا قامت بوضع خطة لمدة خمس سنوات للتمويل وقامت بتقسيم المبالغ المعدة للإقراض بين القطاعات المختلفة الصناعية والزراعية والطاقة والخدمات والبنية التحتية والسكن، بحيث تضمن بعد هذه المدة بأن تستعيد المبالغ المقترضة من الجهات المستثمرة من جهة وأن تسبب عمليات الاستثمار في هذه القطاعات إلى توليد صادرات تقوم بتغطية نفقات الاستيراد للمواد اللازمة لهذه النشاطات الاستثمارية، وبالتالي فإن القطاعات المولدة للعملة الصعبة في مجال الصناعة والطاقة والتجارة يجب أن تغطي نفقات القطاعات الغير منتجة مثل السكن والبنية التحتية والتعليم والمياه وغيرها.

طبعاً قامت مؤسسة الاتمان KfW بإعادة تدوير المبالغ المسددة على هذه القروض لتمويل مشاريع استثمارية جديدة وبنفس الآلية.

وبالتالي لم تركز الحكومة الألمانية على إنشاء المباني السكنية للمواطنين، على الرغم من حاجتهم الملحة لها، لأن ذلك سوف يوقعهم في الدين، وإنما ركزت على سلة متوازنة من الاستثمارات لم تتجاوز فيها المبالغ المُقرَضة المخصصة للسكن 9.5% خلال الفترة 1949-1953، بينما بلغت المبالغ المقترضة لصالح صناعة الكهرباء 24% والزراعة 14% والقطاعات المنتجة الأخرى حوالي 50%.

*ماذا يمكن ان نفعل؟

يعتبر الخطر الحقيقي لعملية إعادة الإعمار نزيف الدولار والعملة الصعبة الواردة إلينا عبر المساعدات وخروجه من الدائرة الاستثمارية، فاستناداً إلى التجربة الألمانية في إعادة الإعمار: في حال أننا لم ندرس الاستثمارات بشكل جيد بحيث نوازن بين الاستثمارات التي توفر في استهلاك العملة الصعبة أو تولدها مثل قطاع الصناعة والبنية التحتية من جهة، والاستثمارات التي تستهلك العملة الصعبة مثل قطاع الإسكان، فعلى الرغم من أهمية قطاع الإسكان لتغطية حاجات المواطنين، وعلى الرغم من أن قطاع الإسكان سوف يولد كم هائل من فرص العمل ويحرك رؤوس الأموال بشكل كبير، إلا أنه إذا لم يترافق مع نمو للقطاع الصناعي المحلي لتغطية حاجات قطاع الإسكان مثل مواد البناء المصنعة محلية وأدوات وتجهيزات البناء الخفيفة والمتوسطة مثل الشاحنات الصغيرة، في حال لم يتم هذا التوازن ، ولم تدرس سلاسل التوريد الخاصة بالإنتاج الصناعي بشكل مناسب، فسيؤدي بالنهاية إلى استنزاف الموارد النادرة من العملة الصعبة، وبالتالي ستتحول عملية الإعمار إلى ثقب أسود تعمل على إهدار وتبديد احتياطيات العملة الصعبة.

**ما هي المنتجات المستهلكة للعملة الصعبة؟

خلال فترة إعادة الإعمار واستناداً للتجربة الألمانية وإلى واقع الاستهلاك لدينا قبل الأزمة، نستطيع تحديد المواد المتوقع استهلاكها بشكل كبير مثل مواد البناء كالإسمنت والأجهزة الكهروميكانيكية المستخدمة في عمليات البناء مثل أجهزة الثقيب والقطع والخراطة، أما في مجال الزراعة والإنتاج الحيواني فهناك الأسمدة والبذار والآليات الزراعية والمضخات والشاحنات و هناك الأعلاف وخاصة فول الصويا، أما في المجال المواصلات فهناك السيارات والباصات والشاحنات الصغيرة والمتوسطة، وفي مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات هناك تجهيزات الاتصالات المختلفة وأجهزة الموبايل والحواسب اللوحية والتجهيزات الشبكية، وفي مجال الطاقة لدينا أجهزة وأدوات وبنى توليد وتوزيع الطاقة الكهربائية، وفي مجال الصناعة لدينا التجهيزات الصناعية المختلفة وقطع الغيار.

**كيف نخفض من نزيف الدولار؟

في حال أننا اعتمدنا على استيراد هذه المواد المذكورة خلال عملية الأعمار، فمن المؤكد أننا المشاريع الاستثمارية ستتوقف ولن نستطيع الاستفادة من إيرادات هذه المشاريع لتمويل إعادة الإعمار.

لذلك من الضروري وضع خطة استثمارية لتأمين أكبر كمية ممكنة من هذه المواد، لتكون مصنعة أو مجمعة محلياً في بداية عملية الإعمار.

وهنا من الضروري مراجعة هذا الإطار التشريعي والإداري للتأكد من عدم وجود قوانين تعيق تنفيذ الخطة الاستثمارية من جهة، وتذليل العقبات الإدارية والروتينية لهذه المشاريع من جهة أخرى.

والعامل الآخر المهم أيضا هو موضوع التشاركية بين القطاعين العام والخاص، ومراقبة ومنع الاحتكار، والتأكد من توزيع الثروة بين السكان، فمثلاً من الممكن تحديد إجمالي الحصص السهمية لكل من القطاع العام وكبار المستثمرين وصغار المستثمرين (المواطنين) في هذه المشاريع الاستثمارية.

**ثبات الدولار

يعتبر ثبات قيمة الدولار خلال فترة الإعمار نقطة محورية في نجاح المشاريع الاستثمارية ومكافحة التضخم وتخفيض نزيف الدولار، ففي حال ارتفاع قيمة الدولار، فإن ذلك سيؤدي إلى ضياع قيمة القروض التي قدمتها الحكومة لتمويل المشاريع الاستثمارية من جهة وإلا خسارة المستثمرين لإيرادات هذه المشاريع، نتيجة انخفاض المقابل بالدولار للإيرادات المخططة على مشاريعهم (كما في حال المشاريع السكنية) وبالتالي انخفاض مواردهم المعدة للاستيراد.

 

نُشِرت في تنمية | أضف تعليق

صعوبات إعادة الإعمار

stick_figure_mantraps_lg_thm

الكاتب: محمد غياث العلبي – عبد الحميد القتلان

أذكر في العقد الماضي، قامت المحافظة بافتتاح سوق خضار بجوار منزلي، حيث تم إجراء افتتاح رسمي له وتغطيته إعلامياً بشكل جيد جداً، وبدء الباعة يملؤون محالهم بحماس، لكن ما لبث أن بدء السوق يخفت شيئاً فشيئاً، وبدء المحال تغلق الواحد تلو الآخر، وعبثاً حاولت المحافظة تشجيع الباعة على الصمود والبقاء في محالهم، حيث أن كمية الزبائن التي ترتاد السوق كانت لا تكفي لتغطية نفقات الباعة، وهكذا بقي السوق مغلقاً لعشر سنوات، ثم ما لبث مع منصف الأزمة الحالية ومع إغلاق أسواق مهمة في ريف دمشق، أن انتعش بشكل مفاجئ حيث أنه لم يبقى سوقاً للخضار فحسب بل أصبح سواقاً لقطاع عريض من السلع الاستهلاكية!!

في الواقع أن هذه الحالة ليست الوحيدة التي ظهر فيها فجوة كبيرة بين المتطلبات المتوقعة للتنمية وما هو مطلوب فعلاً، والعديد من قرَّاء هذه المقالة يعرف حالات مماثلة، كما ان الأداء الحكومي بشكل أو بآخر يدرك نقطة الضعف هذه لذلك يقوم وبطريقة ما وقد تكون من خلال التجربة بأنه يجب عليه القيام بعمليات التنمية والتطوير بشكل بطيء جداً وعلى مراحل مع إمكانية التراجع في حال ظهور خطب ما، كونه غير متأكد من صحة النتائج او المتغيرات التي ستنشأ عن التغيير ذاته.

*متطلبات البيئة الجديدة:

قد تكون هذه الاستراتيجية مقبولة سابقاً، لكن مع نهايات المرحلة الأولى من الأزمة الحالية، ظهرت متغيرات مختلفة كلياً تجعل طريقة العمل السابقة مدمرة، حيث أنه هناك حاجات ماسة يجب تأمينها بأسر وقت ممكن، مثل الأمن والمياه الصالحة للشرب والسكن والمواصلات والكهرباء والتعليم والعمل. حيث أنه تأمين هذه المتطلبات أصبح ملحَّاً ومطلوباً على كافة المستويات، كما أن الطريقة التجريبية التدريجية وبطء آليات التنفيذ المعتاد عليه، قد لا تكون مقبولة.

ليس هذا فحسب بل يوجد عامل مهم جداً، وهو أنه مع نهاية هذه المرحلة قد تتوفر جهات مانحة مستعدة لتقديم قروض ومساعدات مالية تحت عنوان إعادة الإعمار، وهنا تكمن العقدة الحرجة، حيث أنه من الممكن مثلاً ان يتوجه الحماس لإعادة إعمار مناطق سكنية كانت آهلة بالسكان والنشاط الاقتصادي قبل الأزمة، حيث يتم وضع الخطط لإعادة الأعمار ورصد الاعتمادات والبدء بتشييد البنية التحتية، واقتراض القروض وفتح الباب لمساهمة المواطنين، لكن ما يلبث أن يكتشف الجميع، وبعد إنفاق مبالغ معتبرة من المساعدات والقروض بأن الجاذبية الاستثمارية لهذه المنطقة قيد الإنشاء ليس كما كان يُعتقد، وأنه من المحتمل أن لا يتم تأمين مشتريين لهذه الوحدات المنشأة او أن المساهمين في الأصل قد بدئوا يُظهرون رغبة أقل وحماساً أقل للمشاريع وقد يظهر حالات عجز عن السداد، مما قد يحوِّل عملية إعادة الأعمار إلى فخ هائل يبتلع المساعدات والقروض بدون تقديم نتائج تنموية حقيقية.

*ماذا يمكن أن نفعل؟

في البداية لا بمد من وجود استراتيجية وطنية للتنمية وتأمين مصادر التمويل الدائمة والتي يفترض أن يتم وضع خطط الإعمار وإنشاء المناطق والتجمعات السكنية والنشاطات الاقتصادية وسلاسل التوريد بناء عليها، وهنا لا بد من وضع رؤيا لما يجب ان تكون عليه سورية خلال 15 سنة مثلاً، فمن الممكن أن نقول إننا ننظر إلى سورية على أنها عقدة مواصلات مهمة بين القارات الثلاث ونقطة لتجميع البضائع وإعادة الشحن على سبيل المثال أو منتج رئيسي للألبسة الداخلية أو زيت الزيتون على سبيل المثال.

من جهة أخرى يجب أن نتحلى بالعقلانية والمزيد من العقلانية، ويجب ان ننسى لبرهة واقع النشاط الاقتصاد قبل الأزمة، بحيث أننا عندما نقوم بالتخطيط نقوم بالتخطيط على أساس صفري وليس على أساس ما قد كان منذ سنوات بحيث يتم دراسة كل مجموعة من مشاريع الأعمار التي تهدف لغاية معينة استناداً إلى الاستراتيجية الوطنية للتنمية، ضمن سلة واحدة متكاملة، ومن المهم أن نحقق هنا شرط التنمية الدائمة والتي تعني أن تكون سلة المشاريع المقترحة قادرة بالنتيجة على تمويل نفسها وعلى أن تحقق فائض في التنمية يتيح استمرارها مستقبلا ودعمها ذاتياً، فمثلاً وللتوضيح في حال أننا رغبنا في تأمين منطقة سكنية لربع مليون مواطن يجب في البداية تحديد نوع النشاط الاقتصادي الذي يفترض ان يقوم به المواطنون في هذه المنطقة، فمثلاً في حال أن سلة النشاطات المفترضة والتي يُعتقد أن سكان هذه المنطقة يتقنونها أو مستعدين للتعامل معها، هي الصناعات الخفيفة والمتوسطة مثل النسيج والالبسة والكيماويات، عندها يجب تجهيز منطقة صناعية مجاورة مجهزة لهذا القطاع من الأعمال والأهم من ذلك تأمين سلاسل التوريد الضرورية لتأمين مستلزمات الإنتاج بدءاً من الكهرباء والطاقة والمواد الأولية والمواصلات وانتهاءً بأسواق التصريف بما يتضمن ذلك مراكز التدريب والتأهيل والخدمات المالية وتقديم المساعدات والمشورة التجارية والصناعية ، وهنا قد يقول قائل: لماذا هذا التعقيد وقد نشأت العديد من المناطق السكنية وانتعشت بشكل تلقائي، وهنا لا بد من أن نقول أن ذلك صحيح و لكنه استغرق وقتاً طويلاً من المحاولة والخطأ، ام الآن فلا الوقت يسمح بهذه التجارب ولا السكان ولا الحكومة تمتلك الملائة المالية لاختبار مثل هذه التجارب.

*دور المعلومات وتكنولوجيا المعلومات:

من الضروري هنا أن نقتنع بأنه لا يمكن وضع الخطط على هذه المستوى بناء على الحدس والذكاء الفطري، ولا بد من أن نتسلح بأدوات ضرورية لنجاح عملية التخطيط والتنفيذ وفي مقدمتها معلومات حديثة حول التوزع الجغرافي الجديد للسكان والمعلومات السكانية المختلفة مثل الفئات العمرية وطبيعة النشاطات الاجتماعية والسمات الثقافية ومعدلات الإنجاب ومستوى التعليم وحجم المدخرات المالية المتوقع، والخبرات المهنية… وغيرها، إضافة إلى دراسة عملية لسلاسل التوريد المقترحة ودور هذا التجمع السكاني في سلاسل التوريد المتعلقة بهذه المنطقة الجغرافية، وهنا لا بد من الإشارات إلى ان هذه المعلومات لا بد أن تكون رقمية ولا بد من الاقتناع والتسليم بوجوب توظيف تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات كحامل ومحفِّز تكنولوجي يقوم بجمع هذه المعلومات وتصنيفها وإدارتها ومعالجتها وتقديم النتائج الرقمية استناداً إليها، بحيث يساهم في تقديم الأدوات المناسبة لصنَّاع القرار إضافة إلا ميزات إدارية عصرية أخرى ضرورية لنجاح الإعمار مثل الشفافية والفعَّالية.

قد تكون هذه الخطوات حالمة إلى حد ما، لكن مجرد ذكر ذلك هو الخطوة الأولى على طريقة الواقعية وتحويل الأحلام إلى حقائق، إما في حال تسليمنا بالعجز منذ البداية، فهذا يعتبر إقراراً بالفشل قبل بدء السباق…

 

 

 

نُشِرت في تنمية | أضف تعليق

ماذا نفعل بـ”السيكوباتي” بيننا؟

twoface02

أذكر عندما كنت في ثانوية ابن خلدون (التجهيز سابقاً) في دمشق في تسعينات القرن الماضي، دخل عصفور دوري إلى غرفة الصف عبر النافذة بالخطأ- حيث أن المدرسة تمتاز بطرازها المعماري القديم الخاص بفترة الخمسينات والمميز بنوافذه الواسعة- وقد كانت مفاجئة سارة تكسر روتين المدرسة، حيث رحنا نراقب حركاته ونستمتع برؤيته عن قرب، وتوقعنا أن ينجح بالخروج عبر أحد هذه الشبابيك الواسعة، لكن المفاجئة أن ما لبث أن قام مجموعة من الطلاب في الصف (خمسة أفراد) بإغلاق الشبابيك ، ومن ثم بدئوا بضرب هذا الطائر المسكين بكل ما تلتقطه أيديهم: أحذية، سدارات الفتوة (قبعات)، كتب، دفاتر، حتى وقع على الأرض وقام أحدهم بفصل رأسه بيديه بدون أي أدوات مساعدة وبنجاح منقطع النظير!

لقد أزعجني المشهد للغاية، وما أزعجني أيضاً أنني لم أستطع التدخل كونهم يشكلون شلة في الصف، والتدخل معناه الدخول في مبارزة خاسرة سلفاً.

على الرغم أنني لم استطع توصيف حالة هؤلاء الطلاب في وقتها لكن عرفت فيما بعد بأنها مؤشرات قوية جداً لحالة اعتلال نفسي تدعى السيكوباتية، حيث أن المصاب بهذا الاعتلال تكون مشاعره وإحساسه بالآخرين معدوماً، وضميره ميت وشعوره بالذنب غير موجود وميال للعنف ويتلذذ به، خيانة العائلة والأصدقاء والمعارف لا تسبب له أي وخز بالضمير بل المتعة أحياناً، ويمكن الاستدلال على الأطفال السيكوباتيين من خلال ممارسات معينة حيث أنهم غالباً ما يستمتعون بتعذيب الحيوانات الآليفة أو أقرانهم في البيت أو المدرسة، ولا ينفع معهم النصح والمعاملة الحسنة، كما أن الإضطراب عادة ما يكون مرتبطاً بسمات خاصة في البنية التشريحية للدماغ حيث من الممكن الاستدلال على هؤلاء الأشخاص من خلال التصوير الطبقي المحوري، وعادة ما يتعزز هذا الاعتلال عندما يعيش الأطفال في بيئة قاسية وعنيفة أو بعيداً عن أمهاتهم وأسرهم.

كل هذا قد يكون شرحاً وتفصيلاً مملاً، لكن المفاجئة في الموضوع أن نسبة السيكوباتيين الطبيعية في الحياة هي 1%، فكيف صدف أن وصلت إلى خمسة طلاب لصف يتسع لأربعين طالباً، أي أكثر من 12%، وهذا النسبة المرتفعة كانت في أفضل مدراس دمشق في ذلك الوقت! حيث كان يتخرج منها كل عام ما لا يقل عن 15 طالباً إلى كلية الطب، كما أن معظم الطلاب إذا لم أقل جميعهم في هذه المدرسة، يعيشون حياة أسرية طبيعية، والكثيرون منهم كان لديهم سائقون يحضروهم إلى المدرسة ويقلوهم إلى البيت في نهاية الدوام!

*لماذا هذه النسبة؟

التفسير الوحيد لهذه النسبة الشاذة ليست عبارة عن انحراف طبيعي في المورثات المولدة لهذا الاعتلال، وإنما هو الانحراف القسري في البيئة التي نعيش فيها، من الواضح أنها كانت بيئة سيكوباتية بجدارة، حيث يتم احترام القوة وتقديس القسوة، فالانتهازي والوصولي هو الإنسان القويم، أما الذي يراعي الأخلاق والمشاعر الأخرين فهو إنسان ساذج ومسكين، أما الرديف الفكري الأساسي للسيكوباتية والذي يدعى الميكافلية والتي تعني في أحد وجوهها ( الغاية تبرر الوسيلة) فقد كانت الإله أو الرسول المرشد لمعظم أفراد المجتمع، فعلى الرغم من أن احداً لم ينطقها صراحة لكن الجميع بَرَعَ في تطبيقها، فإيذاء الجيران لمصلحة شخصية أصبح مبرراً، والاستعانة بالقوة للحصول على مكاسب أصبح طبيعياً، وخيانة الأصدقاء موضوعاً قابلاً للنقاش، والغش بالتجارة أصبح شطارة، والمؤشر الواضح على ذلك هو سمعة السوريين في بلدان المغترب، حيث كانوا وما يزالون أسوء الجاليات العربية في دول الخليج في موضوع التعاون والتكاتف فيما بينهم.

*خطر السيكوباتية؟

من الواضح أن ارتفاع نسبة الحالة السيكوباتية في المجتمع مؤشر خطير جداً حيث من الممكن أن تدمر المجتمع بالكامل، فمثلاً قبول الحالة السيكوباتية في العمل كفيل بتدمير الأعمال ووضع المصلحة الشخصية قبل مصلحة العمل، حيث من الممكن للسيكوباتي الذي وصل بانتهازيته إلى موقع اتخاذ القرار أن يدمر مؤسسته بالكامل إذا وجد أن هذا لمصلحته، أما في المجتمع فانتشار الحالة السيكوباتية يعني انتشار العنف والإجرام والكذب والنفاق والفجور واختفاء العمل الخيري، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن العمل الخيري لا يعني فقط تقديم المساعدة المادية للمحتاجين، وإنما رعاية مشاعر هؤلاء الناس وإحساسهم بإنسانيتهم.

*واقع السيكوباتية اليوم؟

لا داعي اليوم أن نقول بأن حالة السيكوباتية أسوء بكثير مما كانت عليه قبل خمس وعشرين عاماً، فوسائل الإعلام اليوم سيكوباتية بامتياز، حيث أن مشاهد العنف والدم أصبحت طبيعية، وكأن وسائل الإعلام أضحت تعتقد بأن ما تبثه هو برامج تسلية للأطفال! لا أعلم ما هو ضرورة بث مشاهد العنف التي اعتدنا عليها في حياتنا، وعرضها على أطفالنا، لقد أصبح من الضروري وضع تنبيه قبل نشرات الأخبار بأنه سيتم عرض مشاهد عنيفة لذا يرجى مغادرة الأطفال وضعاف القلوب، وهنا قد يقول أحدهم بأن البعض لا يستطيع احتمال معاناة أخوتنا في الوطن، لكن هل يعني ذلك القدرة على تحمل مشاهدتهم “لايف” وهم يتألمون ومن ثم التأفف قليلاً ومتابعة مشاغلنا، أم مساعدتهم مادياً ومعنوياً وعاطفياً!

طبعاً من الضروري فضح الإرهاب الإجرامي الذي يمارسه أعدائنا وأعداء الوطن، لكن تخصيص مواقع إلكترونية منظمة لتوثيق هذا الإرهاب بحيث يتطلع عليه المتابعين والمختصين بهذه الجرائم قد يكون أكثر فائدة، كما ان هذه الطريقة تتيح إمكانية الاستفادة من هذا التوثيق واسترجاعه مستقبلاً.

ومما زاد الطين بلة، وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يقوم الشخص بتقليب المشاركات مثلا على الفيسبوك، فيجد مشاركة حزينة فيكتب ” أنا حزين”، وبعد لحظة، لحظة فقط، يجد دعابة أو مناسبة سعيدة فيكتب ” أنا بغاية السعادة”، ما هذا النفاق الاجتماعي؟ لقد أصبحت مشاعرنا تعلب وتغلف آلياً، إنها ليست وسائل تواصل اجتماعي بل وسائل تواصل سيكوباتي بامتياز!

أما على صعيد برامج الأطفال، فلم يعد للقيم الاجتماعية والأخلاقية ومعاني التعاطف والرحمة مكاناً أيضا، حيث أن معظم برامج الأطفال تركز على الواقع الافتراضي، وصراع الوحوش الخيالية، وصراعات الأنا في كرة القدم والبوكيمون وغيره، كما أن مفهوم الأسرة لم يعد يظهر في برامج الأطفال، أما بالنسبة لألعاب الكومبيوتر فحدث ولا حرج.

أما على صعيد العمل، فلا يوجد أي تركيز ضمن المؤسسات على قيم التعاون والتعاضد، ولا يوجد شعارات تخص أخلاقيات العمل، لا أعلم لماذا يتم إهمال ذلك، فلم أسمع بمدير قام بجمع أفراد المؤسسة لمناقشتهم عن أخلاقيات العمل والاحساس بالانتماء للمؤسسة، لقد أصبح المبدأ الميكافلي هو المبدأ الوحيد الغير معلن الذي يقر ويعترف به جميع العاملين للأسف.

اما على صعيد الأسرة فقد أصبح ابن العم أو الخال غريباً، والجد والجدة ضيوفاً ثقالاً، وأطفال الجيران أعداء، أما الأخوة فهم في صراع دائم على الموارد!

*ماذا نعمل؟

في الواقع الموضوع ليس بالسهل بعد ما وصلنا إليه، فالأمر يتطلب تظافر جميع الأفراد الإيجابيين في المجتمع بدءاً من رجال الدين والمعلمين والمدراء وأرباب الأسر.

أما على الصعيد الحكومي فيجب توفر مؤشرات لتقييم الحالة السيكوباتية سواء في المدارس أو مراكز اللجوء أو في الأحياء وذلك من خلال استبيانات واحصائيات خاصة ، بحيث يتم إصدار مؤشر الحالة السيكوباتية للمجتمع دورياً و جنباً إلى جنب مع مؤشرات التنمية الرئيسية مثل مؤشر الميزان التجاري أو مؤشر الناتج الإجمالي المحلي (أعلم أن هذه المؤشرات ما تزال إحصائية وليست رقمية للأسف)، أما على صعيد الجانب الإجرائي فلا بد من مراجعة الخطاب الموجه للعامة بكافة أشكاله ، وإنشاء مؤسسات رعاية اجتماعية تعنى بهذا الموضوع، وتدريب المعلمين والتربويين على رعاية مثل هذه الحالات والتعامل معها، وإصدار البرامج التثقيفية في هذا المجال وتناوله في وسائل الإعلام ، فمثلاً قيام الأطفال بقطع شجرة بغرض التسلية هو مؤشر سيكوباتي ، أو قيام أحدهم بتخريب الأملاك العامة فهو مؤشر سيكوباتي أيضاً، أما بالنسبة للدين والمجتمع، فيجب التخلص من جذور الميكافلية في تفسير أو شرح بعض النصوص الدينية بالكامل، أما على صعيد الرعاية الاجتماعية فمن الضروري التركيز على العمل الإنساني والمشاركة الوجدانية والعاطفية (الحنان) مع ذوي الحاجات جنباَ إلى جنب مع تقديم المساعدات المادية.

 

نُشِرت في مجتمع, علم اجتماع | أضف تعليق

ماذا يمكن أن يفعل اللاجئون السوريون في أوربا؟

mission_vision_strategy.jpg

الكاتب: محمد غياث العلبي-عبد الحميد القتلان

تنويه: هذه المقالة ليست للمنهزمين أو ضعاف النفوس، ليست للباحثين عن الفتات، إنها لأحفاد الفينيقيين والكنعانيين!

ما هو مستقبل اللاجئون السوريون في أوربا:

الكثير من اللاجئين السوريين ذهبوا إلى أوربا هرباً من الدمار والخراب في وطنهم أو فقدان أملهم في مستقبل مقبول في وطنهم، ورغبة منهم في الهروب إلى مستقبل أفضل في بلدان المغترب.

ما هو مستقبل اللاجئون في اوربا؟

السؤال الملح والذي يطرح نفسه هو: كم من الوقت يحتاجه اللاجئون للوصول إلى هدفهم وما هو حالهم في حال وصولوهم إلى هذا الهدف؟

في الواقع أن السؤالين مرتبطان ببعضهما تماماً، فأوربا لن تتيح للاجئ أو لأبناءه، أن يعيش حياة أفضل إلا في حالة نجاحه بما يدعى “عملية الإندماج والتوطين” والتي تعني ان يكتسب اللاجئ “جميع الصفات” التي تجعله مواطناً أوربياً أصيلاً مؤمناً بقضاياها ومصيرها، حافظاً لتاريخها وملتزماً بقوانينها ومتقناً للغتها، والأهم من ذلك أن تكون هويته أوربية أصيلة و””ليس له هوية أخرى””، ولا يحتمل أن ينقلب في المستقبل بحيث يقوم بتغيير انتمائه أوتغيير هويته، وهذا يعني حرفياً أن ينسى لغته تماماً وكل ما يتعلق بهويته الأصلية وينسى تاريخه حتى إذا لم يعد يذكر اسم جده فهذا أفضل!

*متى يمكن دمج اللاجئين؟

تعتبر الثقافة العربية الشرق أوسطية من الثقافات المنيعة جداً للاندماج مع الثقافة الغربية وذلك نتيجة صراع طويل بين هاتين الثقافتين لآلاف السنين بدءاً من الفينيقيين ومروراً بالأمويين والعباسيين و الصليبيين ووصولاً إلى استعمار العصر الحديث والقضية الفلسطينية، فهم ليسوا شعوباً ضائعة من أفريقيا أو جزر المحيط الهادي أو أمريكا الجنوبية ولديهم الكثير الذي يحتاج إلى غسيل دماغ للتخلص منه، لذلك فإن العملية ستكون مضنية وتحتاج إلى جيلين أو ثلاثة أجيال على الأقل، وسيرافقها الكثير من الآلام والمعاناة لتقبل الواقع الجديد، لذلك فإن قارئ هذه المقالة أو أبنائه من المستبعد أن يصل أو يحظى بالنعم التي ستمنحها أوربا نتيجة “الاندماج أو الذوبان الحضاري”.

قد يعتقد البعض أن هذه الإجابة فيها مبالغة، لكن أحب أن أقول لكم بأن هؤلاء اللاجئون يشكلون أكبر تهديد لحضارة ووحدة أوربا خاصة مع معدل تكاثرهم المرتفع ومناعتهم الحضارية العالية، وهذا ما صرح به سياسييهم ومنظريهم واعتقد ان المهتمين من السوريين قد اطلعوا على هذه التصريحات.

طبعاً هذه النتيجة ليست تخمينية وإنما يمكن للراغبين مراجعة دراسات أوربية حول هذا الموضوع حيث يعتبر اللاجئون من أوربا الشرقية هم الأسرع اندماجاً، حيث من الممكن أن يصلوا إلى مبتغاهم من الجيل الأول، ويقف اللاجئون العرب في ذيل القائمة…

**متى سيحصل اللاجئ السوري على جنسية البلد المضيف؟

بالنتيجة فإن الاندماج الحضاري هو الشرط الرئيسي الغير معلن للحصول على الجنسية وهذا سوف يستغرق جيلين أو ثلاثة مع بعض الاستثناءات لذوي الإمكانات والمهارات التي يعتبرها الأوربيون ضرورية لبلدانهم.

أين تكمن قوة السوريين في أوربا؟

من هم السوريون في أوربا:

هم اللاجئون السوريون الذي اضطروا أو اعتقدوا أنهم مضطرون للهجرة إلى أوربا، نتيجة الظروف القاسية التي كانوا يعيشونها في سورية، وما زالوا يأملون بالعودة إلى وطنهم والمحافظة على هويتهم وأن يعيشوا حياة أفضل في هذا الوطن.

في الواقع لدى السوريون في أوربا مكمن قوة هائل يتيح لهم مستقبلاً زاهراً وثروة كبيرة لهم ولوطنهم في حال أنهم أدركوا هذا المكمن، وهو أنهم قد أتيحت لهم فرصة الاطلاع والممارسة والتجربة الحقيقية ضمن بيئة متطورة حضارياً لم يكن محتملاً ان تتاح لهم أو لأبناء وطنهم، ولكن الشرط الرئيسي لاغتنام هذه القوة هو الحفاظ على أصالتهم الحضارية وتطويرها بما ينسجم مع الحضارة الجديدة مع الالتزام بهدف العودة إلى وطنهم والاستثمار فيه.

كيف يستطيع السوريون في أوربا كسب النجاح والثروة؟

هناك عدة محاور يجب الالتزام بها وتحقيقها للوصول إلى النجاح والثروة:

1-المحافظة على الهوية:

في البداية يجب أن يؤمن السوري في أوربا بأنه سوري مقيم في أوربا لفترة مؤقتة وليس لاجئ، فاللاجئ هو إنسان مستسلم فقد كل شيء ويحاول القيام بأي شيء للحفاظ على بقائه ككائن بحيث يأكل ويشرب وينام ويعيش، أما السوري فهو إنسان له تاريخ وهوية وحضارة وأهداف ومستقبل والأهم من ذلك لديه خطة لتنفيذ هذه الأهداف.

لذلك لا بد من المحافظة على هذه الهوية من خلال المحافظة على اللغة وتدريسها لهم ولأبنائهم وتعليمهم تاريخهم الأصيل وحضارتهم، وذلك من خلال إنشاء منظمات غير حكومية لهذه الغاية أو التعاون مع منظمات موجودة أصلاً، وللعلم فإن إنشاء منظمة غير حكومية لغايات إنسانية في أوربا حق يكفله القانون أما بالنسبة للتمويل فهو متاح، كما أنه متاح الحصول على تبرعات لهذه الغاية ونشر إعلانات بهذا الخصوص.

*المحافظة على الهوية لا تعني الانغلاق الحضاري:

من الضروري الإيضاح أنه ليس المقصود هو رفض الثقافة والحضارة الأوربية وإنما المحافظة على ثقافتنا، مع ضرورة دراسة الثقافة الغربية وتاريخها، كما انه من الضروري دراسة رؤية الغرب لثقافتنا، وذلك للوصول إلى نظرة متكاملة حول أنفسنا وحول غيرنا وكيف ينظر الآخرون إلينا وماذا يجب ان نفعل لتحسين هذه الصورة.

2-فهم وإدراك الثقافة الغربية:

لدى السوريين في أوربا الكثير من المتعلمين الذي لديهم خبرة وممارسة في القانون والإدارة والاقتصاد والتربية والأدب والتاريخ والتعليم والزراعة والصناعة والتكنولوجيا، ومن الضروري أن يتحمل هؤلاء الأشخاص مسؤوليتهم في فهم الثقافة الغربية، كلٌ حسب اختصاصه ونشر هذه الثقافة عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات والمنظمات غير الحكومية، أما بالنسبة لمصادر معلوماتهم فهي متاحة على الانترنت كما أن الأوربيون منفتحون جداً وسيشعرون بالسعادة في حال أنهم وجدوا رغبة حقيقية لدى السوريين في نشر الثقافة الغربية.

تأثير الصدمة الحضارية:   من الضروري هنا عدم الاستسلام للصدمة الحضارية التي تحصل عندما يذهب شخص يعاني من واقع حضاري متضرب وضعف ثقافي ذاتي إلى مجتمع متحضر، حيث يشعر بانه لا يساوي شيئاً وأنه يجب عليه أن يذوب حضارياً بأسرع وقت ممكن، في حين أن هذا المجتمع الذي يراه ليس أفضل من مجتمعه، بدليل بأنه كان ولا يزال هذا المجتمع المتحضر في صراع حضاري مع مجتمعه ويخشى منه ويشعر بأنه تهديد له، وهذا باعتراف مفكريهم مثل المفكر الأمريكي “برنارد لويس” أو “صموئيل هانتغتون” في كتابه صراع الحضارات، كما أن أسلوب الصدمة الحضارية يستخدمه الغرب لإذابة الآخر حضارياَ وهو ما ذكره أيضاَ “صموئيل هنتغتون” ومنظر السياسة الخارجية الأمريكية “زبغنيو بريجنسكي”.

 

 

3-التعاون ثم التعاون ثم التعاون:

أعتقد ان هذه الميزة تعتبر أم المشاكل، نتيجة انعدام التجربة الحقيقية في هذا المجال وعدم إدراك نتائجها المذهلة، من الضروري أن يكون السوريون متعاونون متكاتفون فيما بينهم لا يبخلون بمساعدة إخوانهم ولا يخشون من منافسة أقرانهم، حيث أن تعاونهم هو أقوى وسيلة لنجاحهم وبقائهم، فيجب مساعدة السوري الوافد الجديد في تدبر أمور حياته، وتعليم الوافد الذي لا يمتلك مهنة أو مساعدته للحصول على مهنة مناسبة له، ومساعدته في تعليم أبنائه وتعليمه إذا كان أمياً، ونسج أواصر المحبة والتعاون من خلال تشجيع الاحتفالات المشتركة والمشاركة في المناسبة، مع ضرورة الانتباه إلى أهمية المشاركة بالمناسبات الوطنية والاحتفالية والاجتماعية للبلد المضيف.

قد يشعر البعض بالإحباط حول إمكانية تشجيع السوريين على التعاون والمشاركة، لكن يكفي إيمان 1 أو 2% منهم (تأثير العتبة الحرجة) بهذه الميزة وستنتشر هذه الصفة بين البقية بالتدريج كما أن المتعلمين أقدر على التعاون والمشاركة من غيرهم ومن الأجدر أن يقوموا بذلك.

4-قيادة بناء السيرة الذاتية:

في الواقع أن الأوربيون لا يهمهم ماذا تعمل او ماذا يمكنك أن تعمل بنجاح، بل يهمهم بالدرجة الأولى رفع العبء الذي تتحمله الحكومة المضيفة في إعالة السوري وذلك من خلال إدخاله في سوق العمل بأي وسيلة، بحيث يقوم بإعالة نفسه وينتقل عبئ الإعالة من الحكومة المضيفة إلى القطاع الخاص، كما أنهم لن يكونوا راضين عند حصول السوري الوافد على فرصة عمل قد يرغب بها المواطن الأوربي! بينما السوري فلديه هدف بأن يكتسب الخبرات التي يستطيع إعادة إنتاجها في وطنه، فمثلاً السوري يحتاج إلى خبرات في مجال إعادة الإعمار (مثل تقنيات البناء الحديثة وطرق إدارة العمال وقوانين العمل ) إضافة إلى تقنيات وطرق الزراعة والصناعة والدراية بقوانين الاتحاد الأوربي في مجال التعاملات التجارية من استيراد وتصدير وغيرها.

بيد أن هذه الأمور هي آخر هم الأوربيون أن يعلموها لأحد بل يريدون السوريون أن يعملون في قطاع الأعمال التي تسمى “عامل بدون خبرة” وهي أعمال لا تتضمن قيمة مضافة مثل التنظيف والحراسة ولن يكتسب فيها السوري أي خبرة يستطيع من خلالها إعادة انتاجها في وطنه، وبالتالي لن يمتلك السوري نقاط القوة للعودة إلى وطنه مرفوع الرأس في المستقبل!

في الواقع ان هذا المطلب سيكون من الصعب الحصول عليه ولن يتم إلا من خلال تكتل السوريون ضمن منظمات مجتمع مدني تعنى بتدريب السوريين في مجالات تفيدهم عند العودة إلى بلادهم، وإثارة هذه القضية لدى الرأي العام، عندها من الممكن جداَ الحصول على مبتغاهم، علماً أن هذه المسألة ستحسن شروط حياة السوريين في بلدان المغترب لأنها ستتيح لهم العمل في مجالات تقدم لهم قيمة مضافة أعلى وبالتالي… رواتب أعلى.

 

نُشِرت في متفرقات, تنمية | أضف تعليق

الغرب يريد كل شيء!

 

93116806

كي لا ننسى…الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن يعلن إنجاز مهمة غزو العراق على متن حاملة الطائرات أبراهام لنكولن عام 2003

 

لم تنجح أزمة بأن تجعلنا في حالة صراع مع الذات، مثل ما فعلت الأزمة الحالية في عالمنا العربي، وهنا قد يتساءل البعض أنه لا توجد ازمة في العالم العربي إنما في سورية وبعض الدول العربية الأخرى، لكن الواقع أن الأزمة تجتاح العالم العربي بالكامل، لكن الأخبار تأتي من بعضها فقط، مثل الإنسان المريض الذي لا تلحظ له أي إشارات مقلقة سوى ارتفاع حرارة جبهته!!

الغريب في هذه الأزمة بأننا عند الحديث عنها، نبدأ بالغوص بالتفاصيل علماً أن الحقيقة ماثلة أمامنا، لكن لا أحد يريد أن يراها، لقد بدأنا نضع شركائنا في السفينة على أنهم أعداء لنا، أما القراصنة الذين يدكون سفننا، فلا أحد يذكرهم، ربما لأن سفنهم كبيرة وجميلة، أسلحتهم حديثة، وتنسيقهم عال، وأدائهم جميل، لقد خدرتنا قوتهم الناعمة حتى كشفنا لهم نحورنا!

لقد عجت الشبكات الاجتماعية بالحديث عن الآخر، ومن هو هذا الآخر؟ هو إنسان يتحدث بنفس لغتنا وله نفس ثقافتنا وكانت له أحلام وطموحات مثل طموحاتنا، وكان مستعداً لمحاربة أعدائنا (الآخر الحقيقي) حتى الموت لو أتيحت لنا الظروف المناسبة.

أما الآخر الحقيقي، الذي هو النقيض الحضاري لنا، والذي حاول وما يزال يحاول ابتلاعنا، فلم نعد نلحظه، ربما لأنه أصبح كبيراً جداً لدرجة أنه ملئ الفراغ حولنا بالكامل حتى لا نكاد نشعر به، بحيث بدأنا نعتقد بأنه هو الفراغ بحد ذاته!

لقد وضعتنا هذه الأزمة في صراع مع تاريخنا وحضارتنا، لقد انتقلنا من وضع المدافع إلى وضع العاجز عن الدفاع، فبعض مثقفينا يريد تحويل ثقافتنا إلى النموذج الغربي بأسرع ما يمكن، فبدئوا الطرق في جذور هذه الشجرة لاقتلاعها ونقل ما يمكن نقله منها إلى تربتها الجديدة، التربة الغربية الخصبة! لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل الحضارة الغربية قامت باقتلاع نفسها من جذور العصور الوسطى لتصل إلى الحداثة؟

يجيب على هذه السؤال بوضوح كبير فلاسفة الغرب “هيجل” عندما قال بأنه يعتز بالجذور المسيحية الغربية لفلسفته، فهل يعتز المثقفين العرب الآن بجذورهم الشرقية؟ هل لديهم مشروعاً شرقياً ينافس المشروع الغربي، أم لديهم برامج لغربنتنا ونقل القيم الغربية لنا وفقاً لطريقة الوجبات السريعة؟

في الواقع لقد أضعنا بوصلتنا، فأصبح الآخر لدينا الذي نشعر بالتهديد منه، هو إما إنسان يشبهنا بنسبة 99.9% ويعيش بجوارنا أو أنه دولة مجاورة لا يُعرٍّفها الغرب إلا على أنها نسخة طبق الأصل عنا.

لقد كانت الإشارة إلى هذه الواقع واضحة تماماً في مؤتمر القمة العربي الأخير، حيث تم اعتبار دولة شقيقة حضارياً وثقافياً لنا هي التهديد الوحيد والأساسي على أمننا القومي، أما الآخر الحقيقي فلم يتم ذكره نهائياً علماً أنه أعلن رسمياً تواجده في ليبيا وتدخله فيها قبيل المؤتمر! هذا جنون حقيقي…

ماذا يريد الغرب؟

لا يريد الغرب إثبات تقدمه الصناعي والتكنولوجي والاجتماعي والسياسي، كل ذلك نعلمه ونقر به ولا يحتاج لتذكيرنا به، ولا يريد السيطرة على مواردنا فقط تم له ذلك. في الواقع الغرب يريد إذابتنا حضارياً، يريدنا أن نرفض انتمائنا الثقافي والحضاري، من خلال تقديم نماذجنا الثقافية والحضارية القديمة والتي نعتز بها بأبشع صورها لننفر منها ويستقر ذلك في اللاوعي لدينا ومن ثم ينقلنا إلى خانة “اللامنتمي” تمهيداً لابتلاعنا بالكامل، سواء نحن أو الدول الأخرى المجاورة لنا والتي كنا نعتقد أنها هي الآخر!

إن الغرب يريد أن يجعلنا خط الدفاع الثقافي الأول ضد أي تهديد قد يأتيه مما تبقى من الشرق!

لقد كان الخطيب الروماني “كاتو الكبير ” واضحاً تماماً، خلال فترة الصراع مع الفينيقيين (الشرقيين)، حيث كان يختم خطبه دائماً بعبارة “لكي تبقى روما يجب ان تُدَمَّر قرطاجنة”!

 

نُشِرت في سياسة | أضف تعليق

لاستثمارات الصغيرة

كيف تستثمر في صناعة الدواجن

1

 

غالباً ما يعتقد المستثمرون بأن الاستثمار في مجال صناعة الدواجن يعتبر من الفرص الاستثمارية السهلة وذات الربح السريع ورأس المال المنخفض، لكن الواقع مغاير لذلك إلى حد ما، فالعمل في هذا المجال لا يعتبر صناعة تتعلق بكيفية انتاج الدواجن وإنما بزنس معقد يرتبط بعوامل داخلية وخارجية وطبيعة سلاسل توريد مركبة.

في البداية هناك أربعة مجالات لإنتاج الدواجن: إنتاج الجدات (التي تنتج الأمهات) والأمهات (التي تنتج فروج اللحم والدجاج البياض) وإنتاج فروج اللحم وإنتاج بيض الدجاج، وسيتم التركيز في هذه المقالة على إنتاج فروج اللحم، على الرغم من أن العمل في مجال إنتاج بيض الدجاج مشابه له كما سنرى لاحقاً.

ولجعل الموضوع أكثر وضوحاً يمكن وضع سمات عامة لهذا البزنس:

  1. قصر دورة الإنتاج وصلابتها: يعتبر إنتاج الدواجن من سلاسل الإنتاج الغذائية القصيرة، حيث أن مدة الدورة الإنتاجية هي حوالي 60 يوماً (50 إنتاج + 10 تحضير) ولا يوجد وسائل للتأثير على مدة هذه الدورة أو التحكم بها، فمثلاً لا يستطيع المربي إيقاف عملية الإنتاج خلال إنتاج الفوج نتيجة ظهور مؤشرات لانخفاض سعر الدواجن في السوق او الارتفاع الكبير والمفاجئ في أسعار مستلزمات الإنتاج مثل العلف، لكن يوجد لدى المربي هامش للمناورة لبيع إنتاجه ابتداءً من اليوم 36 لعمر الفرخ ( حيث يباع الفروج هنا لباعة البروستد والفروج المشوي بوزن 1.3 كغ) وحتى اليوم الخمسين حيث يصل وزن الفروج إلى 2 كغ وسطياً، وبعد اليوم الخميس ينخفض مردود إنتاج اللحم بالنسبة للعلف المستهلك ويصبح خاسراً بالنسبة للمربي.
  2. عائد سنوي على الاستثمار 100%: الوجه الآخر المشرق لقصر دورة الإنتاج هو إمكانية تدوير رأس المال خمسة مرات سنوياً على الأقل مما يقدم أرباح تقدر بحدود 100% من رأس المال المستثمر على أساس سنوي، لكن من جهة أخرى هذا العائد ليس للجميع وإنما للخبراء في هذا المجال فقط والذين يحققون المتطلبات المذكورة لاحقاً!
  3. التقلب وصعوبة التنبؤ والتخطيط على المدى القصير: من الصعب معرفة قيمة الإنتاج في السوق عند اكتمال الإنتاج، فعلى الرغم من أن قيمة الكيلو غرام من لحم الدواجن (الشرحات) عالمياً هو 3.25 دولار إلا أن هذا السعر وخاصة في بلداننا متقلب بشكل كبير، وخير مثال على ذلك هو وصول سعر كيلو لحم الدواجن للمستهلك خلال عيد الفطر الماضي إلى 6 دولارات! كما يوجد أيضا حالات أخرى وصل فيها السعر إلى 2.5 دولار!

من الناحية النظرية يأمن إنتاج الدواجن أرباح تقدر بقيمة 20% من رأس المال لكل فوج (دورة إنتاجية واحدة تقدر بمدة 60-65 يوماً)، لكن لا يمكن ضمان هذا الإيراد إلا عبر استمرار الدورة الإنتاجية لسنة على الأقل (انتاج 5 أفواج)، طبعاً مع ضمان توفر عوامل سنتحدث عنها لاحقاً.

بالتالي لا يستطيع المربي وضع خططه أو سير التدفقات المالية على أساس الدورة الإنتاجية الواحدة!

  1. عدم استقرار كلفة المواد الأولية: هناك تقلب كبير في أسعار المواد الأولية، فمثلا متوسط السعر العالمي لكيلو العلف المركز هو 45 دولار، إلا ان هذا السعر من الممكن أن يصل في السوق المحلية 0.6 دولار بشكل مفاجئ.
  2. انخفاض جودة مستلزمات الإنتاج: إن عملية تسوق الأعلاف والأدوية والمستلزمات الأخرى تعتمد على خبرة المربي، ولا يوجد مصادر موثوقة لتأمين هذه المواد بجودة مضمونة أو مقبولة.
  3. سوق عمل غير مرخصة أو معتمدة: معظم العاملين في هذا المجال يعملون بشكل عفوي أو عشوائي ولا يوجد جهات رقابية لمراقبة عملهم، كما لا يوجد جهات تقدم شهادات اعتمادية للعمل في هذا المجال أو دورات تدريبية معتمدة، كما أن معظم العاملين في هذا المجال (وليس كلهم) من الأميين والذي يمتلكون خبرة في مجال هذا العمل أو البزنس بشكل عام، كما أن المنتج النهائي لا يمتلك هوية، فمثلاً عند شرائك فروج لا تستطيع ان تعرف المنتج او الموزع، وبالتالي لا يوجد محفزات لتحسين الجودة الإنتاجية!
  4. قصر دورة التعلم: بشكل عام يستطيع أي مستثمر الدخول إلى هذا السوق وتعلم هذا البزنس خلال فترة قصيرة جداً (شهر يكفي).
  5. التعرض للمغامرين: سوق إنتاج الدواجن هو عرضة بشكل دائم لدخول مغامرين جدد، نتيجة للسهولة الظاهرة في عملية الإنتاج فمثلاً من المتوقع ازدياد عدد المغامرين الداخلين إلى هذا المجال نتيجة ارتفاع أسعار الدواجن خلال الأسبوعين الماضيين، حيث وصلت نسبة أرباح المنتجين إلى 60 % من رأس المال، مما أثار شهية المغامرين!
  6. التعرض لمنافسة القطاع العام: لغايات الأمن الغذائي الوطني ونتيجة ضعف سلال التوريد في القطاع الخاص بإنتاج الدواجن، يوجد لدينا قطاع حكومي يقوم بإنتاج الدواجن ولا يخضع لشروط السوق وذو قدرة كبيرة ويؤثر على أسعار الدواجن وعلى العرض والطلب، مما يزيد معوقات نجاح الاستثمار في قطاع الخاص.
  7. التعرض لانهيار الاستثمار: يعتبر من أكبر المخاطر التي تهدد هذا البزنس هو فقدان رأس المال نتيجة الإهمال وسوء الإدارة، فعند التقاعس في معايير التربية والعناية بالدواجن أو عدم وضع الخطط والخطط البديلة لضمان هذه المعايير، مثل انقطاع التيار الكهربائي خلال موجة حر أو موجة برد، مع عدم توفير بدائل للحفاظ على درجة الحرارة أو انتشار مرض بشكل مفاجئ ضمن الفوج نتيجة انخفاض معايير النظافة أو عدم تقديم الأدوية واللقاحات، في مثل هذه الحالات قد لا تكون الخسائر منطقية، فمن الممكن أن نفقد الفوج بالكامل!

طبعاً هناك احتمال انخفاض أسعار الدواجن في السوق، لكن في هذه الحالة لن تتجاوز الخسائر 20%، مع احتمال ظهور فرص استثمار مستقبلية، حيث غالباً ما تترافق هذه الظاهرة بخروج عدد معتبر من المربين المغامرين من السوق مما يوفر فرصة ازدياد الأسعار في الدورة الإنتاجية القادمة وتعويض الخسائر ولو بشكل جزئي على الأقل.

 

ضمن هذا السمات لسوق انتاج الدواجن والتي أغلبها سلبي لا بد أن تتوفر لدى المستثمرين السمات التالية:

  1. المقدرة والملاءة: إن الحد الأدنى للاستثمار في صناعة الدواجن يتطلب حوالي 2500 دولار (تكفي لإنتاج 1000 فروج لكل دورة إنتاجية)، لكن هذا لا يعني أن قيمة الاستثمار هي 2500 دولار، بل يجب ان يمتلك المستثمر وخاصة المستجد في هذا المجال 40% كاحتياطي استثمار لتحمل سلبيات العمل في هذا السوق والقدرة على الاستمرار وتحمل التقلبات المفاجئة في سوق الدواجن ومخاطر عملية الإنتاج، مع العلم أن مزرعة الدواجن المثالية من حيث قيمة التكاليف يجب أن تصل إلى 9000 فروج ، حيث أن ازدياد عدد الفوج يخفض التكاليف بشكل عام مثل أجور النقل أو أجور الأطباء البيطريين كما أن الأعلاف والأدوية يتم الحصول عليها بسعر أقل نتيجة كبر حجم الكميات المستهلكة ( أسعار جملة) ، وبالتالي بالنسبة لمدجنة تنتج 9000 فروج نحتاج إلى قيمة استثمار 20 ألف دولار + 8 ألاف احتياطي استثمار.
  2. جودة التخطيط والتنظيم: الاستثمار في هذا المجال ليس للكسالى أو الضعفاء إدارياً، يجب وضع خطة متكاملة للعمل مع دراسة كافة الاحتمالات الممكنة ووضع الخطط البديلة عند حدوث طارئ، كما أن الشروط الصحية لتربية الدواجن مقدسة، فمثلاً لا يمكن الاعتماد على استمرار التيار الكهربائي، لا بد من وجود مولدات وكميات كافية من الوقود ويجب وضع خطط للصيانة الدورية للمولدات وأجهزة التكييف والتدفئة، إضافة لجدول زمني محدد للزيارات الدورية للأطباء البيطريين، وتوفير اعتمادات مخصصة للأدوية واللقاحات، وأيضاً التأكد من تدريب الكوادر والعاملين ،و تطوير شبكة علاقات مع مشتري الدواجن (المسالخ ومكاتب الشراء)، لضمان البيع بسرعة عند اكتمال الإنتاج.
  3. المثابرة والثبات: نجاح الاستثمار لعدة دورات إنتاجية لا يجب أن يوحي للمستثمرين بالثقة والاسترخاء فلا يقع إلا الشاطر، لا بد من الاشراف المباشر على الاستثمار ووضع معاونين ثقة مع استمرار مراقبتهم، ما يجب عمله اليوم يجب ان يتم اليوم وليس غداً، فمثلاً قد يلاحظ بعض المربين أن الدواجن لديهم قد تحملت ارتفاع درجة الحرارة عن المنصوح بها، فيعتقدون أنه يمكنهم الاعتماد على هذه النتيجة، الأمر الذي قد يكلفهم موت الفوج وخسارة الاستثمار بالكامل.
  4. استمرار الإنتاج في الظروف الجوية القاسية: يعتبر الإنتاج خلال فترة الحر الشديد او البرد الشديد مضمونة الربح للمربين ذوي الخبرة على الرغم من تكاليفها، حيث غالباً ما يعزف المربين عن الإنتاج في هذه الأوقات، نتيجة عدم قدرتهم على تكييف صالات التربية أو انتشار الأمراض، مما يساهم في اخفاض المعروض في السوق، والقدرة على الإنتاج في هذه الفترات من السنة لا يمكن أن يتم بدون تظافر العوامل الثلاثة السابقة لدى المستثمر ( المقدرة والتخطيط والثبات)، فمثلاً أحد أسباب تضاعف أسعار الفروج خلال الفترة السابقة هو موجة الحر الشديد في منتصف رمضان وانقطاع التيار الكهربائي، الذي سبب نفوق كم كبير من الإنتاج، لدى ضعاف المربين.
  5. الفراسة والتقصي: يجب ان يتمتع المستثمر في هذا المجال بالفراسة والذكاء، فمثلاً من الممكن مراقبة كميات الفراخ المباعة بشكل دائم ليستطيع التنبؤ بكميات الإنتاج المتوقعة، كما من الممكن مراقبة كميات الأعلاف المباعة او الأدوية واللقاحات المشتراة، كما أن كمية اللقاحات والأدوية المشتراة يوحي بمدى جودة الإنتاج لدى المنافسين. كما أن متابعة الأخبار المحلية والاقتصادية مهم أيضاً.

إن جمع المعلومات يتيح هامش مناورة للمربي، فعلى الرغم من عدم قدرة المربي إيقاف الإنتاج خلال الدورة الإنتاجية لكنه يستطيع تأجيل أو تقديم موعد بدء دورة إنتاجية جديدة، وذلك استناداً إلى توقعه حول كمية المعروض وحجم الطلب المتوقع خلال فترة معينة مستقبلاً.

 

 

خاتمة:

تجدر الإشارة إلى ان إنتاج بيض الدجاج يحتاج إلى قدرات لدى المستثمر مشابهة إلا حد كبير لما تم ذكره، أم بالنسبة لسمات السوق الخاص ببيض الدجاج فهي مشابه أيضاً لسوق لحم الدجاج، باستثناء أن الإنتاج هناك بشكل يومي، وليس كل 60 يوماً.

وأخيراً أقدم الشكر إلى كل من ساهم في إعداد هذه المقالة وأخص بالذكر:

د.فادي محسن: طبيب بيطري، خبير في التسويق الدوائي للدواجن.

د.مازن المصري: طبيب بيطري ، خبير في تربية و سوق الدواجن.

 

نُشِرت في إدارة و أعمال | أضف تعليق

الاستثمارات الصغيرة

مطعم ندى الايام

كيف تستثمر مطعماً صغيراً

كثيراً ما يعتقد الناس أن الاستثمار في الأكل هو استثمار رابح للغاية، خاصة عندما يقفون بانتظار وجبتهم في مطعم مزدحم، وخلال انتظارهم قد يعكفون على حساب تكلفة الوجبات التي يطلبونها وسعرها، وبافتراض وسطي حجم المبيعات يوميا، يستطيعون حساب قيمة الأرباح اليومية، ليصلوا إلى استنتاج بأن هذا النوع من الأعمال رابح للغاية.

في الواقع أن في مقابل هذا المطعم الناجح الذي أغرى الزبائن على الاستثمار في هذا المجال، هناك العديد من التجارب الخاسرة والفاشلة، فما نعرفه عادة عن الاستثمار بالمطاعم هو قمة جبل الجليد، فعادة لا نلحظ عدد المطاعم التي تفتتح في منطقتنا وتفشل، ولم يخبرنا أحد عن حجم الخسائر التي تكبدها المستثمرين، نحن فقط نحفظ القصص ذات النهايات السعيدة!

قبل التفكير بالاستثمار في مجال الطعام لا بد من أن نعرف ما هي خصائص هذا النوع من الأعمال:

  1. خصائص الاستثمار في مجال المطاعم:

هذا الاستثمار لا يقدم طعام فقط بل يقدمه مغلفاً بخدمة، هذه الخدمة يجب ان تكون مقبولة من قبل الزبائن، ومن أهم متطلبات هذه الخدمة:

  • الجودة والملائمة: يجب تقديم هذه الخدمة بجودة مقبولة من قبل الزبائن، أما نوعية الوجبات المقدمة فيجب أن تتلاءم مع الذوق العام في المنطقة التي يقدم فيها المطعم خدماته، فمثلاً فتح مطعم كنتاكي أو بيتزا هات في حي شعبي قد لا يكون مغرياً للزبائن، إضافة إلى أن المطعم يجب أن يقدم قدر معين من الضيافة في الوجبات يتناسب مع ثقافة المجتمع بخصوص هذا الموضوع.
  • الكفاءة والنظام: يعتبر العمل في المطاعم من أكثر الأعمال في مجال الاستثمار الصغيرة الذي يحتاج إلى كوادر مدربة وكفوءة ومنضبطة وتنجز أعمالها بسرعة وضمن معدلات زمنية ثابتة مع المحافظة على جودة الأعمال، بحيث تضمن تقديم هذه الخدمة بسرعة وضمن فترة زمنية مقبولة لا تتأثر بشكل كبير مع تغير عدد الطلبات أو حجم الازدحام..
  • الصحة العامة: يجب إعطاء أولوية كبيرة للصحة العامة والنظافة، حيث على الرغم من تأخر ظهور المشاكل عند التراجع عن الاهتمام بهذا العامل، إلا أنها عندما تقع مشكلة بسببها فغالباً ما تكون ذات تأثير كبير جداً على نجاح أو استمرار الاستثمار.
  • الثبات: يعتبر هذا المطلب هو الأصعب والأعقد والذي يسبب فشل معظم الاستثمارات في هذا المجال، من الضروري أن يحافظ المطعم على جودته وكفاءته بغض النظر أن الإيرادات أو تراجع المبيعات عن المتوقع، حيث غالباً ما تتراجع جودة المطعم أو كفاءته في العمل، بعد فترة من الافتتاح، فنجد الخبز أصبح قديماً، أو الخضار ليست طازجة، وتنفيذ الطلبات أصبح بطيئاً.
  • الإبداع: لضمان استمرار ونجاح عمل المطعم وقدرته أمام المنافسين لا بد من أن يتحلى بالقدرة على تطوير منتجاته وخدماته، فبالنسبة لعملية تحضير الوجبات، قد يساعد تغيير فترة التحضير أو ترتيب عملية التحضير أو إضافة رشة من بهار أو صوص معين في صنع نكهات رائعة، كما أن لمسات بسيطة مبتكرة متجددة للديكور ستساهم في زيادة حماس الزبائن للحضور والإنفاق أيضاً.

 

  1. ما هي متطلبات الاستثمار في مجال المطاعم:
    • خبرة المستثمر:

من أكثر النقاط الحساسة في نجاح هذا المشروع هو مدى خبرة المستثمر في هذا النوع من الأعمال، حيث أن توفر هذه الخبرة سيساعد المستثمر في اتخاذا القرار الصحيح ومعرفة ما هي النفقات الضرورية للاستثمار والنفقات الكمالية الغير ضرورية، حيث كثيراً ما يحدث خلاف بين مدير المطعم والمستثمر نتيجة غياب الخبرة لدى المستثمر وعدم قدرته على اقناع مدير المطعم بوجهة نظره أو بالعكس.

في حال ان المستثمر لا يمتلك خبرة في هذا النوع من الأعمال من الممكن ان يستعين بأحد الأصدقاء في هذا المجال الذي له استثمار مماثل ليطلعه بشكل ميداني على تجربته، أو الدخول في شراكة مع مستثمر قديم في هذا المجال بهدف اكتساب الخبرة.

  • دراسة حجم الحصة السوقية المتوقع وحالة المنافسين:

لا بد من تقدير حجم المبيعات المتوقع اعتماداً على مراقبة النمط السلوكي للسكان في مكان المطعم من حيث نسبة إنفاقهم على الوجبات السريعة ومستوى دخلهم، ونسبة انفاقهم على الترفيه، وتقييم حالة المنافسين وما هي ميزات هذا الاستثمار بالنسبة للمنافسين وما هي ميزات المنافسين.

  • مكان المطعم:

يعتبر أن تواجد المطعم في مكان يتوفر فيه الزبائن من العوامل المهمة والحاسمة في زيادة فرص نجاح المطعم وزيادة أرباحه، كما أن تواجد المطعم في مكان مزدحم من الممكن أن يكون له عاملاً مساعداً للتغطية على عيوب الاستثمار الأخرى مثل ضعف الجودة أو الأداء وغيرها من العوامل.

  • تأمين تمويل لإنشاء الاستثمار ودعم عمليات التشغيل(مرحلة التأسيس) :

يعتبر هذا هو مكمن الخطأ القاتل، حيث عادة ما يتم تقديم تكاليف الاستثمار على أنها تمثل كلفة الترخيص والإنشاء، واعتبار أن التكاليف التشغيل مثل إيجار المطعم وأجور العاملين وتكاليف شراء المواد الغذائية وغيرها من النفقات التشغيلية، يتم تغطيتها من خلال المبيعات، في حين أن الاستثمار في مجال المطاعم من النادر أن يستطيع أن يغطي تكاليفه التشغيلية من إيراداته مع المحافظة على جودة خدماته المذكورة في الفقرة السابقة  خلال الأشهر الأولى من بدء العمل (وهذا ما يدعى عادة بمرحلة التأسيس)، فمثلاً من الطبيعي أن يتم اتلاف المستلزمات الغذائية مثل الخبز والخضار والفواكه والحساء والمقبلات يومياً في حال عدم استهلاكها وعدم الاحتفاظ بها لليوم التالي، ومن الطبيعي شراء مستلزمات غذائية أكبر من الحاجة اليومية لعدة أشهر وإتلافها يومياً، ومن الطبيعي توفر عمال أكبر من الحاجة خلال الأشهر الأولى من العمل، ومن الطبيعي تقديم وجبات  تقارب التكلفة للزبائن لتوسيع الحصة السوقية وزيادة الزبائن.

من المفيد القول إن كلفة دعم عمليات التشغيل خلال العام الأول بعد افتتاح المطعم قد تتجاوز تكلفة إنشاء الاستثمار، وذلك إذا رغبنا بضمان نجاح الاستثمار.

 

 

  • إدارة التسوق:

من الضروري تأمين عناصر ذات خبرة في شراء مستلزمات المطعم الغذائية وغير الغذائية، وذلك من حيث الخبرة في شراء المستلزمات الغذائية الطازجة والجيدة بأرخص الأسعار، حيث كثيراً ما يسبب ضعف عمليات التسوق في المطعم إلى إضعاف رضى الزبون، وتكبيد المستثمر خسائر مخفية قد لا يفطن لها إلا بعد فوات الأوان، وهنا أذكر أحد المطاعم الناجحة جداً، الذي شاهدته يقشر البصل المشترى من السوق، حيث فوجئت بمدى جودة البضاعة، فقد كان يكفي نزع قشرة رقيقة جداً ليصبح جاهز، وبصراحة لم أحظى بمثل هذه النوعية في حياتي!

وهنا من الضروري التأكد بشكل مستمر من نزاهة القائمين على هذا العمل، حيث أنها باب للسرقة، فمثلاً استلام فروج واحد يومياً أقل من الفاتورة، سيسبب تكاليف معتبرة آخر الشهر.

  • تأمين كوادر مدربة وملتزمة:

تعتبر هذا المتطلب من أصعب المتطلبات التي يستعصي الحصول عليها، وخاصة في السوق العربية، حيث أن اختصاصات العمل في المطاعم، عادة ما تكون غير مرخصة من قبل جهة مرجعية، أي لا يوجد جهة تقدم شهادة للعامل في مجال المطاعم بحيث يمكن الاستناد إليها لتوظيفه وضمان خبرته وأدائه بناء عليها بالحد الأدنى، ولا يمتلك المرشحون للعمل عادة شهادات خبرة تثبت خبرتهم وبالتالي لا بد من الاعتماد على الخبرة في سوق العمالة ولا بد من اخضاع العمال لاختبارات مدروسة عند توظيفهم، ووضع فترة تجريبية (3 أشهر) قبل قبولهم بشكل نهائي.

  • العدالة في إدارة الفريق:

كثيراً مع يقع المستثمر او مدير المطعم في  هذا الخلل، حيث يقوم بتمييز الشيف، على اعتبار أهمية دوره، على حساب بقية أفراد الفريق مما يساهم في حدوث حالة من الامتعاض، قد تتجلى في غياب أحد النوادل في وقت الذروة أو تقاعسه في العمل بشكل مقصود، أو حدوث تكتلات وانحيازات ضمن فريق العمل، مما يؤثر بشكل كبير على رضى الزبائن، حيث يجب ان يراعي الإداري بأن لكل فرد في المطعم أهمية كبيرة في نجاح العمل، خاصة وأن المستوى الثقافي للعاملين في هذا المجال غالباً (ليس جميعهم طبعاً) ما يكون متدنياً، مما يجعل ردود أفعالهم أكثر بدائية وفجاجة (صغر العقل).

  • الالتزام بالتعليمات والتعاميم الإدارية والقانونية والصحية الرسمية:
  • من الضروري جمع كافة التعليمات والتعاميم الخاصة بأعمال المطاعم والتأكد من تطبيقها فيما يخص المطاعم الصغيرة، حيث أن عدم الالتزام بها قد يسبب خسائر كبيرة وخطرة على نجاح الاستثمار.
  • وجود هيكلية منظمة ومسؤوليات ومهام معرفة:

يجب أن تتضمن الهيكلية الاختصاصات التالية:

  • مدير المطعم: يجب ان يتمتع مدير المطعم بالميزات التالية:
    • متحضر وحسن الخلق.
    • القدرة على تطوير العمل الجماعي في المطعم واحترام الآخرين وتشجيع الآخرين على احترام بعضهم.
    • التعامل مع الفريق بعدل وعدم السماح لأحد بسرقة مجهود الآخرين.
    • القدرة على اتخاذ أفضل القرارات التي توازن بين احتياجات العمل ومصلحة فريق العمل.
    • مكافئة المميزين.
    • يستطيع جعل فريق العمل يلتف حوله بالقلوب وليس بالتهديد والخوف.
    • تشجيع الإبداع لدى عناصر الفريق.
    • تشجيع الفريق على المنافسة الإيجابية.

 

  • الشيف (معلم إعداد الطعام): يعتبر دوره محورياً في المطعم، ولكن على الرغم من أن عمله هو إعداد الوجبات بشكل جيد، لكن من الضروري أن يكون إدارياً ناجحا متعاوناً، بحيث يعمل على نقل الخبرة إلى فريقه، وتدريبهم على التعاون والمشاركة، ومن المفيد القول إن وجود معلم غير متعاون قد تتجاوز مضاره مزاياه بغض النظر عن خبرته.

في حال وجود أكثر من معلم من الضروري تعيين معلم رئيسي، وتقسيم العمل فيما بينهم بشكل واضح.

من المهم أن يكون التواصل بين معدي الطعام والنوادل سهل وسريع، وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية استخدام نظام معلوماتي لإدارة وتنظيم هذه العملية.

  • النوادل: يجب اختيار أشخاص نشيطون ومنظمون ويتمتعون بقدر مقبول من مهارات التواصل، لهذا العمل، ومن الضروري تقسيم الطاولات للنوادل ، ولكن من الضروري أن يقوم النادل بمساعدة زميله في الحالات الطارئة، في حال أن قسمه مزدحم جداً، وهنا من الضروري دعم فريق النوادل بعناصر إضافية تعمل خلال فترة الازدحام من اليوم وأيام الازدحام مثل العطل.

الخبرة في هذا النوع من الأعمال غير ضرورية لكن المهم هو الصفات الشخصية والقابلية للتعلم.

  • المحاسب: مسؤول عن توثيق وتنظيم العمليات المالية للمطعم بما فيها أجور العاملين، عادة ما يتم توظيفه بدوام جزئي.
  • أمين الصندوق: هو الشخص المسؤول عن إعداد فواتير الزبائن ومحاسبتهم، ومن المفيد هنا إعطائه حجم محدد من الصلاحيات في مجال الحسومات على المبيعات.
  • غسل الصحون: قد لا يرغب الكثيرون بهذا العمل، لكن يجب ان يكون واضحاً أنه لا يمكن لأحد التدرج بالخبرة في هذا المطعم بدون ممارسة هذا العمل، ومن الضروري إعطاء هذا العمل الاهتمام الكافي والتأكد من إنجازه بالشكل المطلوب ومراقبة منفذيه بشكل دائم.
  • الحويص: يعمل الحويص على تنظيف الطاولات ومساعدة بقية العاملين عند الحاجة، على الرغم من بساطة عمله، إلا أن وجوده فعال جداً في تخفيض ضغط العمل على الشيف وتسريع الأداء في المطعم بشكل عام، من المفيد اختيار أفراد جميلي المظهر لهذا العمل من الجنسين وفي ريعان الشباب، وهنا أيضاً الصفات الشخصية أهم من الخبرة.

المهام:

فيما يلي قائمة بالمهام التي يجب إنجازها في المطعم وتحديد المسؤولين عن تنفيذها:

  • فتح المطعم، إعداد الطاولات، والتنظيف النهائي قبل الفتح.
  • شراء المستلزمات الغذائية والمشروبات، من الضروري هنا اختيار شخص ذو خبرة في التسوق والمساومة للحصول على أفضل البضائع بأرخص الأسعار.
  • إعداد الوجبات.
  • غسل الصحون.
  • خدمة الإطعام والمشروبات.
  • خدمة واستقبال الزبائن.
  • تنظيف الطاولات.
  • تنظيف المطبخ.
  • تنظيف الحمامات.
  • خدمة الأراجيل.
  • المحاسبة والفوترة.
  • أمانة الصندوق.
  • تأمين المستلزمات غير الغذائية للمستودع والمطبخ.
  • إعداد التقرير اليومي.
  • تنظيف المطعم في نهاية شوط العمل.
  • جمع المهملات وإخراجها.
  • إغلاق المطعم.

من الضروري تحديد كل شخص مسؤول عن كل مهمة من هذه المهام ووجود من يتابع إنجاز هذه المهام بالشكل المناسب.

 

واخيراً لا بد من الإشارة إلى أن وجود المستثمر بشكل شخصي للإشراف على أعمال المطعم وخاصة في الأشهر الأولى، يعتبر ضرورياً جداً لنجاح هذا العمل، كما أن وضع قائمة واضحة بمهام كل فرد في المطعم ووضعها بشكل بارز للعاملين في المطعم، سيساهم في زيادة تنظيم وجودة العمل وحصر الخلافات.

نُشِرت في إدارة و أعمال | أضف تعليق

النهضة ومأسسة المجتمع

ts_heitin1

الجزء الثالث: التعليم

الكاتب: محمد غياث العلبي- عبد الحميد القتلان

عند النظر إلى مناهج تعليم الدولة العربية تجده مشابه لمدراس التعليم في العصور الوسطى الذي يعتمد على التلقين غالباً،حيث يختفي منها الإبداع والمشاركة، والأسوء من ذلك أنه عندما تمت محاولة تطوير المناهج التعليمية في العقد الماضي تم فهم الموضوع بأنه جعل التعليم أكثر صعوبة من خلال تقديم مواضيع ومهارات كانت مطلوبة في صفوف أعلى ونقلها إلى صفوف أدنى.

في الواقع أن النظام التعليمي الحالي معد لأطفال يفترض انهم سيدرسون علوماً بحتة أو أدب عربي في التعليم العالي، أي نسبة أقل من 3% من الطلاب من الممكن أن يتسفيدوا من النظام التعليمي، أم بقية الأطفال فلن يقدم لهم الفائدة المطلوبة، كما أن نسبة 95% من الطلاب لن يصلو للتعليم العالي أصلاً، فما فائدة ان يتم تدريسهم بعمق مفهوم الأعداد العقدية في الرياضيات أو الحقل الكهرطيسي في الفيزياء؟ وهل يوجد مهارات أهم يجب تقديمها للطلاب ليستفيدوا منها في المستقبل؟

في الواقع هناك فرق شاسع بين ما يريده الغرب من النظام التعليمي وما تريده معظم الدول النامية، فبالنسبة للغرب يعتبر هدف إعداد جيل ممأسس متمرس بالقوانين والقيم الغربية قادر على توليد الثروة والقيم المضافة، هو الهدف ذو الأولوية العليا .

ما هي القيم التي يركز عليها الغرب في النظام التعليمي , وكيف يتم ذلك؟

  1. التدريب على التعاون والمشاركة والتواصل، من خلال تدريب الطلاب ضمن مجموعات وتعليمهم المشاركة فيما بينهم، وإعداد حلقات البحث المشتركة.
  2. التدريب على الإبداع وحل المشاكل: يتم تقديم مشكلات لها أكثر من حل وتحريض الطلاب على الإبداع وتقديم الحلول.
  3. التدريب على التخطيط والإدارة: يتم تدريب الطلاب على وضع خطة لتنفيذ المهام وتوزيع المهام على الأفراد وإدارة هذه المهام.

الأهم من ذلك انه منذ عام 2010 قام الاتحاد الأوربي بوضع استراتيجية وطنية لتدريب الطلاب في المدارس على ريادة الأعمال Entrepreneurship Education، حيث تم وضع خطط لتدريس الطلاب مواضيع تتعلق بالاقتصاد والدراسات الاقتصادية وتطوير المهارات والقيم المطلوبة للنجاح في سوق العمل مثل القدرة على تحمل المسؤولية والقدرة على إتمام العمل والقدرة على استقبال وقبول النصائح والمرونة والقدرة على تطوير الذات، إضافة إلى مفاهيم ريادة الأعمال وكيف يمكن إنشاء عمل جديد وماهي متطلباته القانونية والإدارية والفنية والمالية.

شكل1 ريادة الأعمال في أوربا

دور الفن والرياضة والنشاطات الاجتماعية:

كثيراً ما ينظر إلى أن الفن والرياضة في مجتمعاتنا ومدراسنا على أنها ضرباً من الكماليات في حين أنها تعتبر جوهر النظام التعليمي:

  1. الفن: يستخدم الفن بشكل أساسي لتدريب الطلاب على إعداد لوحات فنية مشتركة و تدريب الطلاب على الغناء ضمن مجموعات بشكل جوقات موسيقية وهذا يساهم في تنمية مهارات التعاون والتواصل بين الطلاب وتهذيب الذوق العام، ويجعل الطالب يشعر ان المدرسة تجعله انسان أفضل.
  2. الرياضة: إن انشاء الفرق الرياضية  للألعاب الجماعية وإعداد المدربين المؤهلين لها يعتبر أمرا ضرورياً في تدريب الطلاب بشكل عملي على قيم المأسسة المجتمعية وأهمية التواصل والتعاون لتحقيق الفوز وتعزيز الانتماء الجماعي على أسس مدنية وليس طائفية أو عرقية وغيرها، مثل أن ينتمي الطالب لفريق رياضي معين، كما يساهم المشجعين في هذا الدور وفي تعزيز الشعور بالانتماء.
  3. فرق الكشافة: ظهرت فرق الكشافة من خلال احتكاكنا بالغرب في أواسط القرن الماضي، لكننا لم ندرك أهميتها واعتقدنا أنها نوعاً من التسلية والهدف منها افساد الجيل والاختلاط ، في حين أن لها أهداف هامة جداً ، فهي تساهم في تعزيز مفهوم المواطنة والانتماء للوطن والتعاون والمشاركة ، فعندما ينشأ الطلاب مخيماً يجب أن تقوم مجموعة بحراسة المخيم وأخرى بالطهي وثالثة بالنشاطات الترفيهية، ورابعة بتقديم الإسعافات الأولية وإطفاء الحرائق، وخامسة بتنظيم الجولات الاستكشافية ، وسادسة بتنظيم المسابقات الفنية والأدبية و هكذا، كل ذلك يجعل الطلاب يشعرون بأن هذه المخيم الذي يعيشون فيه هو عبارة عن وطن صغير ويجب عليهم جميعاً التعاون ليبقى سليماً آمناً مزدهراً، وهنا لا نغفل دور المشرفين المدربين الهام جداً والذي يقع على عاتقهم توعية الطلاب بهذه المفاهيم وانضاج تجربتهم بالشكل المطلوب.

 

عودة إلى الواقع:

قد يتسائل البعض أن ما تم ذكره هو ضرب من الخيال العلمي في بلادنا وذلك لقصر اليد واللسان فليس لدينا الموارد المالية المطلوبة ولا الكوادر المؤهلة لنقل هذه التجربة!

في الواقع أن ما ذكر يفترض أن يكون الرؤيا العامة، أما بالنسبة لآلية التنفيذ فلا بد أن تكون تدريجية من خلال توجيه الأولويات في العملية التدريسية لهذه القيم والمفاهيم المؤسسية ومراجعة مناهج تدريب وتأهيل المدرسين على هذا الأساس، وليس من المعيب الاستعانة بالمنظمات الدولية في هذا المجال مثل الاسكوا والذي قد تم فعلاً ولو على نحو خجول، أما بالنسبة للتمويل فإني واثق تماماً بان تقديم رؤية وآلية متكاملة وفعالة لتطوير الواقع التعليمي سيجعل من الصعب على الممولين التجاهل والرد بشكل سلبي، كما أنه من الضرورية تغيير الأولويات الحكومية باتجاه التعليم والاقتصاد على حساب غيرها من المحاور.

 

 

 

نُشِرت في متفرقات, تنمية | أضف تعليق

النهضة ومأسسة المجتمع

BL04RAM_1102641g

الجزء الثاني: الحلول؟

يعتبر تحقيق المأسسة المجتمعية هدفاً استراتيجياً يحتاج لتظافر جهود قطاعات مختلفة حكومية وغير حكومية، كما يحتاج إلى خطط طويلة المدى تمتد لسنوات طويلة ولعدة خطط خمسية وتشمل محاور متعددة:

  1. المحور الإداري والتشريعي:

من الممكن يشمل هذا المحور ما يلي:

  • إنشاء مجلس أعلى للتنمية ، بحيث يمثل جهة عليا مركزية ذات صلاحية كافية لتقود عملية التنمية ،بحيث تكون من أحد أهدافه الأساسية مأسسة النشاط الاقتصادي، كما يضع مؤشرات يجب تحقيقها مثل تحديد نسبة مساهمة المؤسسات الصغيرة في الناتج الإجمالي المحلي  ولتكن 30% خلال خمسة أعوام مثلاً.
  • رفع كفاءة وفعالية أداء المؤسسات الحكومية: على الرغم من كِبَر نسبة العاملين في القطاع الحكومي الذي يعتبر قطاع مؤسسي (حوالي 25% من إجمالي العاملين)، إلا أن انخفاض جودة الأداء الحكومي يسبب انخفاض القيمة والثقافة المؤسسية التي تُقَدم للعاملين، فمفاهيم التعاون والتواصل والمشاركة في اتخاذ القرار، والالتزام بالعمل، إضافةًإلى القيم الأخلاقية الضرورية للنشاط المؤسسي الصحي مثل الصدق والمثابرة والإخلاص، كل هذه القيم والمفاهيم لا يتم تنميتها بالشكل المطلوب نتيجة انخفاض جودة الأداء الحكومي، فمثلا عندما تكون المؤسسات الحكومية محمية من المنافسة أو المسائلة، وغير مهددة بالافلاس ،فما الذي سوف يجبر المؤسسة الحكومية على تطوير أدائها وخدماتها ونشاطها الاستثماري،و بالتالي تطوير نظمها الإدارية والاستفادة من كوادرها بالشكل الأمثل؟؟؟
  • تشجيع تطور الاستثمارات باتجاه الشركات المساهمة ذات الرقابة المالية الخارجية على حساب الشركات الفردية والتكافلية، حيث أن هذا الاتجاه يساهم في رفع جودة أداء المؤسسات ويعزز دورها في خدمة الاقتصاد الوطني، علماً أن معظم الشركات لدينا من النوع الأول، بحيث تجد أن رأسمال الشركة 300 ألف ليرة سورية ، وحجم مبيعاتها الحقيقية 30 مليون سنوياً!!! وهي خارج الرقابة الخارجية وتسدد ضرائب مقابلة مبيعات وهمية متواضعة.
  • تعزيز مراقبة النشاط الاقتصادي لسلاسل التوريد بهدف التأكد من عدم تقديم منتجات للاستهلاك المحلي او للتصدير تكون صادرة عن جهات مرخصة وهمية تقوم بالتغطية على عمليات الإنتاج الحقيقية التي تتم عبر مؤسسات ومنشآت اقتصادية غير مرخصة، حيث تعتبر المؤسسات غير المرخصة العدو الرئيسي للاقتصاد الممأسس والمنظم والقابل للمراقبة، كما أنه هذه المؤسسات الغير مرخصة لا تدفع التزاماتها الضريبية، وهذه العائدات الضريبية ضرورية للنهوض بالاقتصاد وتنشيطه.
  • تطوير النظام الضريبي بحيث يقدم حوافز للمؤسسات المرخصة مثل الحسومات الضريبية عند التأسيس أو الحسومات على تقديم الخدمات التدريب، والحسومات على التأهيل المؤسسي التي تمارسها المؤسسات لكوادرها، أو تقديم ميزات تفضيلية لحصول المؤسسات على الخدمات الحكومية والبنكية استناداً إلى درجة التزامها الضريبي، حيث أنه من الضروري أن يدرك أصحاب المؤسسات الاقتصادية، بأن تسديد التزاماتهم الضريبية الصحيحة سيعود عليهم بالنفع المتبادل مع الحكومة.
  • إعداد تشريعات خاصة بمنع الاحتكار وتأمين فرص استثمارية عادلة للقطاعات الاقتصادية المختلفة،وإنشاء جهات متخصصة متضطلعة بهذه المهام، كما تم مؤخراً لقطاع الاتصالات من خلال الهيئة الناظمة لقطاع الاتصالات، حيث أنها تساهم في توفر سوق استثمارية عادلة تمنح الثقة للمستثمرين بممارسة استثمارتهم بالشكل الصحيح والمنظم وتتيح لهم وضع رؤيا بعيدة وبدرجة ثقة مقبولة، مما يشجعهم على تشكيل مؤسسات اقتصادية صحية لإدارة نشاطهم الاقتصادي.
  • تسهيل التشريعات بخصوص دخول رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار والمشاركة العادلة مع رأس المال المحلي، حيث أن دخول مثل هذه الأموال إضافة إلى دخول الشركات الأجنبية يساهم في ترسيخ ونشر الثقافة المؤسسية، كما أن هذه الجهات لا تعمل إلا ضمن بنى مؤسسية وبمعايير عالمية.
  • دعم ورعاية دور المرأة في النشاط الاقتصادي المؤسسي، يعتبر نسبة مساهمة المرأة في النشاط الاقتصادي منخفضة نسبياً( حوالي 27%)، كما أن نسبة النساء العاملات في قطاعات مؤسسية بالنسبة لبقية الأعمال المتناهية الصغر أو الغير مرخصة (غالباً زراعة)،تعتبر منخفضة ( أقل من 30%)،  أي أن حوالي  9% من النساء السوريات يعملن في قطاعات مؤسسية (والتي هي وظائف حكومية في الغالب)  وهذا يظهر ضعف الثقافة المؤسسية للمرأة نسبياً مع الرجل.
  • تعزيز دور المنظمات غير الحكومية في التنمية: حيث أن هذه المنظمات تساهم في نشر الثقافة المؤسسية وخاصة في المناطق ذات الجاذبية الاستثمارية الضعيفة (مثل المناطق النائية)، التي لا تنشط بها مؤسسات اقتصادية منظمة، راجع مقالات “دور المنظمات غير الحكومية في التنمية والإعمار ج1 و ج2” في المدونة.
  1. محور المعلومات:

من الضروري لنجاح هذه الخطة هو وجود معلومات مستمرة وحقيقية ولتحقيق ذلك لا بد من توفر جهة متخصصة وآلية لجمع وتقييم المعلومات ونشرها ومدعومة بمنظومات لتكنولوجيا المعلومات، بحيث تشمل جوانب مختلفة ومنها:

  • قيمة الناتج الإجمالي المحلي ومعدل نموه الربعي.
  • عدد الأعمال غير المرخصة.
  • عدد الأعمال الصغيرة والمتناهية الصغر والمتوسطة والكبيرة المرخصة.
  • نسبة مساهمة كل من الأعمال الصغيرة والمتوسطة والكبيرة في الناتج الإجمالي المحلي.
  • حجم الأيدي العاملة وتوزعها.
  1. بيئة النشاط التجاري الخارجية:

تعتبر هذه المهام من اختصاص المجلس الأعلى للتنمية:

  • دراسة أسواق النشاط التجاري العالمية وتقييمها وتحديد درجة أهميتها والفرص الاستثمارية المتاحة.
  • إنشاء علاقات تجارية دولية بهدف دعم وتنشيط واستقرار النشاط الاقتصادي، مما يساهم في توسع النشاط المؤسسي الاقتصادي الداخلي، كما فعلت تركيا من خلال اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوربي في مجال الألبسة والمنسوجات.
  1. بيئة النشاط الاقتصادي والاستثماري الداخلية:
  • المدن الصناعية: من الضروري حصر النشاط الاقتصادي الصناعي ضمن مدن صناعية منتشرة بشكل مدروس وفقاً لتوزع النشاط الاقتصادي والأيدي العاملة، بحيث تقدم خدمات متكاملة وعلى رأسها مراكز التدريب والتأهيل، ونذكر على سبيل المثال هنا أن تركيا لديها خمسة آلاف مدينة صناعية!

إن حصر النشاط الاقتصادي الصناعي ضمن مدن صناعية يساهم في نشر الثقافة المؤسسية سواء لدى العمال أو لدى الصناعيين، وذلك من خلال الممارسة أو المشاهدة، إضافة إلى أنها تتيح سهولة تطبيق الإجراءات والقوانين والتشريعات الحكومية، ويساهم في زيادة المنافسة.

  • إنشاء بنوك تمويل استثمار متخصصة بقطاعات صناعية معينة مثل قطاع الألبسة وقطاع الصناعات التحويلية والكيميائية، مما يشجع المؤسسات على رفع جودة نشاط الاستثماري للاستفادة مما تقدمه هذه البنوك من خدمات.
  • تشجيع دخول رؤوس الأموال الأجنبية.
  1. الأبحاث والتدريب:
  • إنشاء مراكز بحثية لتطوير الصناعات مثل صناعة النسيج، يجب يتم تقديم أحدث الدراسات والأساليب في الإدارة والإنتاج والتسويق.
  • إنشاء مراكز تدريب وتأهيل للعاملين على القيم المؤسسية مثل فنون الإدارة والتخطيط والجودة والتعاون والتواصل، والذي يساهم من جهة أخرى في رفع فعالية وكفاءة المؤسسات الاقتصادية.
  1. التعليم: سيتم مناقشته في الجزء الثالث، نظراً لأهميته وتشعبه.
نُشِرت في مجتمع, تنمية | أضف تعليق

هل الاستراتيجية السعودية 2030 عمياء!

blind-entry-trading-2ndskiesforex-small

الكاتب: محمد غياث العلبي

بدا على الأمير محمد بن سلمان في الاجتماعات الأخيرة علامات التعب والارهاق، وليس غريباً في ذلك، فلديه الكثير الكثير ليعمله، فاستراتيجيته الجديدة تحتاج إلى كم هائل من المتابعة وإلى كم مماثل من التغييرات الكبيرة على المستوى الحكومي والأهم من ذلك، أنها تفتح باب الصراع مع مراكز القوى التقليدية في المملكة، المتمثلة بالعائلة المالكة والمؤسسة الدينية.

لا نعلم بالضبط ما هي الدوافع التي دفعت بالأمير إلى تبني هذه الاستراتيجية، فمن الممكن أنه وجدها مساراً مناسباً لضمان وصوله إلى العرش، حيث أن هذه الاستراتيجية من المفترض أن تقدمه على أنه مؤسسة المملكة الجديدة وصانع الإصلاح والرفاهية للمجتمع السعودي، كما أنه لم يتوانى في طلب إزاحة ولي العهد الأمير محمد بن نايف بحجة أنه يعيق تنفيذ الاستراتيجية، لكن التسريبات الصحفية تشير إلى أن الأمريكيين وبدعم خلفي من العائلة المالكة (مركز القوة العتيد) قد رفضوا الطلب رفضاً قاطعاً.

بعيداً عن السياسة، عند النظر إلى الاستراتيجية بشكل عام نجد أنها ذات أهداف واقعية ضمن الإطار الزمني المتاح لها (15 عاماً)، وهذا ما أكدته وسائل الإعلام حول هذه الاستراتيجية، كما أن المملكة لم تخفي اعتمادها على شركات استشارية وخبراء دوليين في بناء ووضع الاستراتيجية، لكن المملكة في الوقت نفسه لم تعلن ما هي المقترحات التي قدمتها هذه الشركات والجهات الاستراتيجية وما الذي تم قبوله أو رفضه. حيث أن سياق الأحداث يدل على أن الرؤى التي قدمتها الجهات الاستشارية لم يتم الأخذ بها بالكامل، فعند النظر إلى الاستراتيجية نجد أن الأهداف الموضوعة في الخطة منطقية وواقعية ومعظمها قابل للقياس، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: من الذي يقوم بالقياس؟ ما الذي سيحدث في حال الفشل في تحقيق الأهداف؟ من الذي يتحمل المسؤولية؟ ما هو دور المواطن السعودي في الاستراتيجية؟ كيف سيتم ضبط ورعاية الحراك الاجتماعي؟

في الواقع إن استراتيجيات تطوير الأداء الحكومي والمجتمع بالنسبة لدول نامية مثل السعودية تعتبر متشابهة وليس من الصعب إعدادها، أما من حيث التنفيذ فقد بدأت المملكة بالعديد من الإصلاحات المهمة وكان آخرها وأهمها إنشاء مجلسين الأول للشؤون السياسية والأمنية والثاني الشؤون الاقتصادية والتنمية، اللذين من المفترض ان يقودان تنفيذ الاستراتيجية.

لكن عند النظر إلى الاستراتيجية السعودية نجد أنه تجنبت الدخول في أي تغيير حقيقي في منهجية إدارة الدولة، الأمر الذي يعتبر ضرورياً وأساسياً لنجاح الاستراتيجية وأذكر منها:

  • غياب البنية الهيكلية الصحية للدولة: لا يوجد أهداف تتعلق بفصل وتحديد للسلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية، كما لا يوجد دور للمواطنين في بناء السلطة التشريعية مثل إنشاء مجلس انتخابي يمثل المواطنين.
  • على الرغم من ذكر محور الشفافية والمسائلة إلا أنه لا يوجد التزام بتحقيق قيم محددة لمؤشري الشفافية والمسائلة الحكومية، وبالتالي سيكون تحقيق هذين الهدفين يعود لما تتيحه الظروف… ومراكز القوى.
  • لا يوجد آليات لرصد وتقويم الاستراتيجية.
  • المؤسسة التعليمية: إن التأهيل الذي تقدمه المؤسسة التعليمية في المملكة مشابه لدور مثيلاتها في العصور الوسطى، ولم يتم التطرق إلى أي تغييرات جوهرية في نشاط المؤسسة التعليمية، سواء من حيث اعتمادها على التعليم الديني الأحادي النظرة والبعيد عن الانتقاد، أو غياب مفاهيم المأسسة المجتمعية في المواد والممارسات التعليمية.
  • دور مؤسسات المجتمع المدني: لم يتم التطرق إليها وإنما تم قراءتها على اعتبار أنها منظمات غير ربحية أو جمعيات خيرية، وهذا يضعف دورها إلى حد كبير، كما أنه لم يتم التطرق إلى ضرورة إعداد تشريعات عصرية مناسبة لنشاط هذه المؤسسات.
  • منع ومكافحة الاحتكار: لم يتم التطرق إلى ضرورة وضع تشريعات وقوانين ومؤسسات لمنع ومكافحة الاحتكار في ممارسة النشاط الاقتصادي، حيث يعتبر هذا المحور أساسيا وحرجاً لتحقيق نمو اقتصادي متوازن وعادل.

في النهاية تبدو الاستراتيجية وكأنها مشروع ضخم لإنشاء رجل آلي خارق، لكن بدون جهاز عصبي حسي، فهل يستطيع هذا الرجل أن يقوم بمهامه بدون حواسه يا ترى، التي هي حتماً … المواطنون!!!

 

نُشِرت في متفرقات, تنمية, سياسة | أضف تعليق