لاستثمارات الصغيرة

كيف تستثمر في صناعة الدواجن

1

 

غالباً ما يعتقد المستثمرون بأن الاستثمار في مجال صناعة الدواجن يعتبر من الفرص الاستثمارية السهلة وذات الربح السريع ورأس المال المنخفض، لكن الواقع مغاير لذلك إلى حد ما، فالعمل في هذا المجال لا يعتبر صناعة تتعلق بكيفية انتاج الدواجن وإنما بزنس معقد يرتبط بعوامل داخلية وخارجية وطبيعة سلاسل توريد مركبة.

في البداية هناك أربعة مجالات لإنتاج الدواجن: إنتاج الجدات (التي تنتج الأمهات) والأمهات (التي تنتج فروج اللحم والدجاج البياض) وإنتاج فروج اللحم وإنتاج بيض الدجاج، وسيتم التركيز في هذه المقالة على إنتاج فروج اللحم، على الرغم من أن العمل في مجال إنتاج بيض الدجاج مشابه له كما سنرى لاحقاً.

ولجعل الموضوع أكثر وضوحاً يمكن وضع سمات عامة لهذا البزنس:

  1. قصر دورة الإنتاج وصلابتها: يعتبر إنتاج الدواجن من سلاسل الإنتاج الغذائية القصيرة، حيث أن مدة الدورة الإنتاجية هي حوالي 60 يوماً (50 إنتاج + 10 تحضير) ولا يوجد وسائل للتأثير على مدة هذه الدورة أو التحكم بها، فمثلاً لا يستطيع المربي إيقاف عملية الإنتاج خلال إنتاج الفوج نتيجة ظهور مؤشرات لانخفاض سعر الدواجن في السوق او الارتفاع الكبير والمفاجئ في أسعار مستلزمات الإنتاج مثل العلف، لكن يوجد لدى المربي هامش للمناورة لبيع إنتاجه ابتداءً من اليوم 36 لعمر الفرخ ( حيث يباع الفروج هنا لباعة البروستد والفروج المشوي بوزن 1.3 كغ) وحتى اليوم الخمسين حيث يصل وزن الفروج إلى 2 كغ وسطياً، وبعد اليوم الخميس ينخفض مردود إنتاج اللحم بالنسبة للعلف المستهلك ويصبح خاسراً بالنسبة للمربي.
  2. عائد سنوي على الاستثمار 100%: الوجه الآخر المشرق لقصر دورة الإنتاج هو إمكانية تدوير رأس المال خمسة مرات سنوياً على الأقل مما يقدم أرباح تقدر بحدود 100% من رأس المال المستثمر على أساس سنوي، لكن من جهة أخرى هذا العائد ليس للجميع وإنما للخبراء في هذا المجال فقط والذين يحققون المتطلبات المذكورة لاحقاً!
  3. التقلب وصعوبة التنبؤ والتخطيط على المدى القصير: من الصعب معرفة قيمة الإنتاج في السوق عند اكتمال الإنتاج، فعلى الرغم من أن قيمة الكيلو غرام من لحم الدواجن (الشرحات) عالمياً هو 3.25 دولار إلا أن هذا السعر وخاصة في بلداننا متقلب بشكل كبير، وخير مثال على ذلك هو وصول سعر كيلو لحم الدواجن للمستهلك خلال عيد الفطر الماضي إلى 6 دولارات! كما يوجد أيضا حالات أخرى وصل فيها السعر إلى 2.5 دولار!

من الناحية النظرية يأمن إنتاج الدواجن أرباح تقدر بقيمة 20% من رأس المال لكل فوج (دورة إنتاجية واحدة تقدر بمدة 60-65 يوماً)، لكن لا يمكن ضمان هذا الإيراد إلا عبر استمرار الدورة الإنتاجية لسنة على الأقل (انتاج 5 أفواج)، طبعاً مع ضمان توفر عوامل سنتحدث عنها لاحقاً.

بالتالي لا يستطيع المربي وضع خططه أو سير التدفقات المالية على أساس الدورة الإنتاجية الواحدة!

  1. عدم استقرار كلفة المواد الأولية: هناك تقلب كبير في أسعار المواد الأولية، فمثلا متوسط السعر العالمي لكيلو العلف المركز هو 45 دولار، إلا ان هذا السعر من الممكن أن يصل في السوق المحلية 0.6 دولار بشكل مفاجئ.
  2. انخفاض جودة مستلزمات الإنتاج: إن عملية تسوق الأعلاف والأدوية والمستلزمات الأخرى تعتمد على خبرة المربي، ولا يوجد مصادر موثوقة لتأمين هذه المواد بجودة مضمونة أو مقبولة.
  3. سوق عمل غير مرخصة أو معتمدة: معظم العاملين في هذا المجال يعملون بشكل عفوي أو عشوائي ولا يوجد جهات رقابية لمراقبة عملهم، كما لا يوجد جهات تقدم شهادات اعتمادية للعمل في هذا المجال أو دورات تدريبية معتمدة، كما أن معظم العاملين في هذا المجال (وليس كلهم) من الأميين والذي يمتلكون خبرة في مجال هذا العمل أو البزنس بشكل عام، كما أن المنتج النهائي لا يمتلك هوية، فمثلاً عند شرائك فروج لا تستطيع ان تعرف المنتج او الموزع، وبالتالي لا يوجد محفزات لتحسين الجودة الإنتاجية!
  4. قصر دورة التعلم: بشكل عام يستطيع أي مستثمر الدخول إلى هذا السوق وتعلم هذا البزنس خلال فترة قصيرة جداً (شهر يكفي).
  5. التعرض للمغامرين: سوق إنتاج الدواجن هو عرضة بشكل دائم لدخول مغامرين جدد، نتيجة للسهولة الظاهرة في عملية الإنتاج فمثلاً من المتوقع ازدياد عدد المغامرين الداخلين إلى هذا المجال نتيجة ارتفاع أسعار الدواجن خلال الأسبوعين الماضيين، حيث وصلت نسبة أرباح المنتجين إلى 60 % من رأس المال، مما أثار شهية المغامرين!
  6. التعرض لمنافسة القطاع العام: لغايات الأمن الغذائي الوطني ونتيجة ضعف سلال التوريد في القطاع الخاص بإنتاج الدواجن، يوجد لدينا قطاع حكومي يقوم بإنتاج الدواجن ولا يخضع لشروط السوق وذو قدرة كبيرة ويؤثر على أسعار الدواجن وعلى العرض والطلب، مما يزيد معوقات نجاح الاستثمار في قطاع الخاص.
  7. التعرض لانهيار الاستثمار: يعتبر من أكبر المخاطر التي تهدد هذا البزنس هو فقدان رأس المال نتيجة الإهمال وسوء الإدارة، فعند التقاعس في معايير التربية والعناية بالدواجن أو عدم وضع الخطط والخطط البديلة لضمان هذه المعايير، مثل انقطاع التيار الكهربائي خلال موجة حر أو موجة برد، مع عدم توفير بدائل للحفاظ على درجة الحرارة أو انتشار مرض بشكل مفاجئ ضمن الفوج نتيجة انخفاض معايير النظافة أو عدم تقديم الأدوية واللقاحات، في مثل هذه الحالات قد لا تكون الخسائر منطقية، فمن الممكن أن نفقد الفوج بالكامل!

طبعاً هناك احتمال انخفاض أسعار الدواجن في السوق، لكن في هذه الحالة لن تتجاوز الخسائر 20%، مع احتمال ظهور فرص استثمار مستقبلية، حيث غالباً ما تترافق هذه الظاهرة بخروج عدد معتبر من المربين المغامرين من السوق مما يوفر فرصة ازدياد الأسعار في الدورة الإنتاجية القادمة وتعويض الخسائر ولو بشكل جزئي على الأقل.

 

ضمن هذا السمات لسوق انتاج الدواجن والتي أغلبها سلبي لا بد أن تتوفر لدى المستثمرين السمات التالية:

  1. المقدرة والملاءة: إن الحد الأدنى للاستثمار في صناعة الدواجن يتطلب حوالي 2500 دولار (تكفي لإنتاج 1000 فروج لكل دورة إنتاجية)، لكن هذا لا يعني أن قيمة الاستثمار هي 2500 دولار، بل يجب ان يمتلك المستثمر وخاصة المستجد في هذا المجال 40% كاحتياطي استثمار لتحمل سلبيات العمل في هذا السوق والقدرة على الاستمرار وتحمل التقلبات المفاجئة في سوق الدواجن ومخاطر عملية الإنتاج، مع العلم أن مزرعة الدواجن المثالية من حيث قيمة التكاليف يجب أن تصل إلى 9000 فروج ، حيث أن ازدياد عدد الفوج يخفض التكاليف بشكل عام مثل أجور النقل أو أجور الأطباء البيطريين كما أن الأعلاف والأدوية يتم الحصول عليها بسعر أقل نتيجة كبر حجم الكميات المستهلكة ( أسعار جملة) ، وبالتالي بالنسبة لمدجنة تنتج 9000 فروج نحتاج إلى قيمة استثمار 20 ألف دولار + 8 ألاف احتياطي استثمار.
  2. جودة التخطيط والتنظيم: الاستثمار في هذا المجال ليس للكسالى أو الضعفاء إدارياً، يجب وضع خطة متكاملة للعمل مع دراسة كافة الاحتمالات الممكنة ووضع الخطط البديلة عند حدوث طارئ، كما أن الشروط الصحية لتربية الدواجن مقدسة، فمثلاً لا يمكن الاعتماد على استمرار التيار الكهربائي، لا بد من وجود مولدات وكميات كافية من الوقود ويجب وضع خطط للصيانة الدورية للمولدات وأجهزة التكييف والتدفئة، إضافة لجدول زمني محدد للزيارات الدورية للأطباء البيطريين، وتوفير اعتمادات مخصصة للأدوية واللقاحات، وأيضاً التأكد من تدريب الكوادر والعاملين ،و تطوير شبكة علاقات مع مشتري الدواجن (المسالخ ومكاتب الشراء)، لضمان البيع بسرعة عند اكتمال الإنتاج.
  3. المثابرة والثبات: نجاح الاستثمار لعدة دورات إنتاجية لا يجب أن يوحي للمستثمرين بالثقة والاسترخاء فلا يقع إلا الشاطر، لا بد من الاشراف المباشر على الاستثمار ووضع معاونين ثقة مع استمرار مراقبتهم، ما يجب عمله اليوم يجب ان يتم اليوم وليس غداً، فمثلاً قد يلاحظ بعض المربين أن الدواجن لديهم قد تحملت ارتفاع درجة الحرارة عن المنصوح بها، فيعتقدون أنه يمكنهم الاعتماد على هذه النتيجة، الأمر الذي قد يكلفهم موت الفوج وخسارة الاستثمار بالكامل.
  4. استمرار الإنتاج في الظروف الجوية القاسية: يعتبر الإنتاج خلال فترة الحر الشديد او البرد الشديد مضمونة الربح للمربين ذوي الخبرة على الرغم من تكاليفها، حيث غالباً ما يعزف المربين عن الإنتاج في هذه الأوقات، نتيجة عدم قدرتهم على تكييف صالات التربية أو انتشار الأمراض، مما يساهم في اخفاض المعروض في السوق، والقدرة على الإنتاج في هذه الفترات من السنة لا يمكن أن يتم بدون تظافر العوامل الثلاثة السابقة لدى المستثمر ( المقدرة والتخطيط والثبات)، فمثلاً أحد أسباب تضاعف أسعار الفروج خلال الفترة السابقة هو موجة الحر الشديد في منتصف رمضان وانقطاع التيار الكهربائي، الذي سبب نفوق كم كبير من الإنتاج، لدى ضعاف المربين.
  5. الفراسة والتقصي: يجب ان يتمتع المستثمر في هذا المجال بالفراسة والذكاء، فمثلاً من الممكن مراقبة كميات الفراخ المباعة بشكل دائم ليستطيع التنبؤ بكميات الإنتاج المتوقعة، كما من الممكن مراقبة كميات الأعلاف المباعة او الأدوية واللقاحات المشتراة، كما أن كمية اللقاحات والأدوية المشتراة يوحي بمدى جودة الإنتاج لدى المنافسين. كما أن متابعة الأخبار المحلية والاقتصادية مهم أيضاً.

إن جمع المعلومات يتيح هامش مناورة للمربي، فعلى الرغم من عدم قدرة المربي إيقاف الإنتاج خلال الدورة الإنتاجية لكنه يستطيع تأجيل أو تقديم موعد بدء دورة إنتاجية جديدة، وذلك استناداً إلى توقعه حول كمية المعروض وحجم الطلب المتوقع خلال فترة معينة مستقبلاً.

 

 

خاتمة:

تجدر الإشارة إلى ان إنتاج بيض الدجاج يحتاج إلى قدرات لدى المستثمر مشابهة إلا حد كبير لما تم ذكره، أم بالنسبة لسمات السوق الخاص ببيض الدجاج فهي مشابه أيضاً لسوق لحم الدجاج، باستثناء أن الإنتاج هناك بشكل يومي، وليس كل 60 يوماً.

وأخيراً أقدم الشكر إلى كل من ساهم في إعداد هذه المقالة وأخص بالذكر:

د.فادي محسن: طبيب بيطري، خبير في التسويق الدوائي للدواجن.

د.مازن المصري: طبيب بيطري ، خبير في تربية و سوق الدواجن.

 

Advertisements

About محمد غياث العلبي

تجول من هاتفك حول العالم مع مختارات من كبريات الصحف والمجلات والمواقع العالمية في مختلفة المواضيع الثقافية والترفيهية,مع مقدمة بالعربية حول الموضوع, ساحة للحوار وتبادل الآراء والمتعة. الهدف من الصفحة هو: 1. تطوير انساق اجتماعية جديدة متناسبة مع متطلبات العصر وثورة المعرفة والمعلومات. 2. تجشيع الشباب على التوظيف الصحيح للثورة الحاصلة في تكنولوجيا المعلومات. 3. تجشيع الشباب على قراءة المقالات المصدرة من المراكز الحضارية مباشر وباللغة العالمية. 4. توسيع الأفق الثقافي لجيل الشباب والانفتاح على الحضارات العالمية. 5. الانتقال بالثقافة من أروقة المواقع المتخصصة والمراكز الثقافية , إلى البيوت والحارات والأحاديث المتداولة بين العامة. 6. تحويل الثقافة إلى وسيلة للترفيه والتسلية والتواصل.
هذا المنشور نشر في إدارة و أعمال. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s