ماذا نفعل بـ”السيكوباتي” بيننا؟

twoface02

أذكر عندما كنت في ثانوية ابن خلدون (التجهيز سابقاً) في دمشق في تسعينات القرن الماضي، دخل عصفور دوري إلى غرفة الصف عبر النافذة بالخطأ- حيث أن المدرسة تمتاز بطرازها المعماري القديم الخاص بفترة الخمسينات والمميز بنوافذه الواسعة- وقد كانت مفاجئة سارة تكسر روتين المدرسة، حيث رحنا نراقب حركاته ونستمتع برؤيته عن قرب، وتوقعنا أن ينجح بالخروج عبر أحد هذه الشبابيك الواسعة، لكن المفاجئة أن ما لبث أن قام مجموعة من الطلاب في الصف (خمسة أفراد) بإغلاق الشبابيك ، ومن ثم بدئوا بضرب هذا الطائر المسكين بكل ما تلتقطه أيديهم: أحذية، سدارات الفتوة (قبعات)، كتب، دفاتر، حتى وقع على الأرض وقام أحدهم بفصل رأسه بيديه بدون أي أدوات مساعدة وبنجاح منقطع النظير!

لقد أزعجني المشهد للغاية، وما أزعجني أيضاً أنني لم أستطع التدخل كونهم يشكلون شلة في الصف، والتدخل معناه الدخول في مبارزة خاسرة سلفاً.

على الرغم أنني لم استطع توصيف حالة هؤلاء الطلاب في وقتها لكن عرفت فيما بعد بأنها مؤشرات قوية جداً لحالة اعتلال نفسي تدعى السيكوباتية، حيث أن المصاب بهذا الاعتلال تكون مشاعره وإحساسه بالآخرين معدوماً، وضميره ميت وشعوره بالذنب غير موجود وميال للعنف ويتلذذ به، خيانة العائلة والأصدقاء والمعارف لا تسبب له أي وخز بالضمير بل المتعة أحياناً، ويمكن الاستدلال على الأطفال السيكوباتيين من خلال ممارسات معينة حيث أنهم غالباً ما يستمتعون بتعذيب الحيوانات الآليفة أو أقرانهم في البيت أو المدرسة، ولا ينفع معهم النصح والمعاملة الحسنة، كما أن الإضطراب عادة ما يكون مرتبطاً بسمات خاصة في البنية التشريحية للدماغ حيث من الممكن الاستدلال على هؤلاء الأشخاص من خلال التصوير الطبقي المحوري، وعادة ما يتعزز هذا الاعتلال عندما يعيش الأطفال في بيئة قاسية وعنيفة أو بعيداً عن أمهاتهم وأسرهم.

كل هذا قد يكون شرحاً وتفصيلاً مملاً، لكن المفاجئة في الموضوع أن نسبة السيكوباتيين الطبيعية في الحياة هي 1%، فكيف صدف أن وصلت إلى خمسة طلاب لصف يتسع لأربعين طالباً، أي أكثر من 12%، وهذا النسبة المرتفعة كانت في أفضل مدراس دمشق في ذلك الوقت! حيث كان يتخرج منها كل عام ما لا يقل عن 15 طالباً إلى كلية الطب، كما أن معظم الطلاب إذا لم أقل جميعهم في هذه المدرسة، يعيشون حياة أسرية طبيعية، والكثيرون منهم كان لديهم سائقون يحضروهم إلى المدرسة ويقلوهم إلى البيت في نهاية الدوام!

*لماذا هذه النسبة؟

التفسير الوحيد لهذه النسبة الشاذة ليست عبارة عن انحراف طبيعي في المورثات المولدة لهذا الاعتلال، وإنما هو الانحراف القسري في البيئة التي نعيش فيها، من الواضح أنها كانت بيئة سيكوباتية بجدارة، حيث يتم احترام القوة وتقديس القسوة، فالانتهازي والوصولي هو الإنسان القويم، أما الذي يراعي الأخلاق والمشاعر الأخرين فهو إنسان ساذج ومسكين، أما الرديف الفكري الأساسي للسيكوباتية والذي يدعى الميكافلية والتي تعني في أحد وجوهها ( الغاية تبرر الوسيلة) فقد كانت الإله أو الرسول المرشد لمعظم أفراد المجتمع، فعلى الرغم من أن احداً لم ينطقها صراحة لكن الجميع بَرَعَ في تطبيقها، فإيذاء الجيران لمصلحة شخصية أصبح مبرراً، والاستعانة بالقوة للحصول على مكاسب أصبح طبيعياً، وخيانة الأصدقاء موضوعاً قابلاً للنقاش، والغش بالتجارة أصبح شطارة، والمؤشر الواضح على ذلك هو سمعة السوريين في بلدان المغترب، حيث كانوا وما يزالون أسوء الجاليات العربية في دول الخليج في موضوع التعاون والتكاتف فيما بينهم.

*خطر السيكوباتية؟

من الواضح أن ارتفاع نسبة الحالة السيكوباتية في المجتمع مؤشر خطير جداً حيث من الممكن أن تدمر المجتمع بالكامل، فمثلاً قبول الحالة السيكوباتية في العمل كفيل بتدمير الأعمال ووضع المصلحة الشخصية قبل مصلحة العمل، حيث من الممكن للسيكوباتي الذي وصل بانتهازيته إلى موقع اتخاذ القرار أن يدمر مؤسسته بالكامل إذا وجد أن هذا لمصلحته، أما في المجتمع فانتشار الحالة السيكوباتية يعني انتشار العنف والإجرام والكذب والنفاق والفجور واختفاء العمل الخيري، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن العمل الخيري لا يعني فقط تقديم المساعدة المادية للمحتاجين، وإنما رعاية مشاعر هؤلاء الناس وإحساسهم بإنسانيتهم.

*واقع السيكوباتية اليوم؟

لا داعي اليوم أن نقول بأن حالة السيكوباتية أسوء بكثير مما كانت عليه قبل خمس وعشرين عاماً، فوسائل الإعلام اليوم سيكوباتية بامتياز، حيث أن مشاهد العنف والدم أصبحت طبيعية، وكأن وسائل الإعلام أضحت تعتقد بأن ما تبثه هو برامج تسلية للأطفال! لا أعلم ما هو ضرورة بث مشاهد العنف التي اعتدنا عليها في حياتنا، وعرضها على أطفالنا، لقد أصبح من الضروري وضع تنبيه قبل نشرات الأخبار بأنه سيتم عرض مشاهد عنيفة لذا يرجى مغادرة الأطفال وضعاف القلوب، وهنا قد يقول أحدهم بأن البعض لا يستطيع احتمال معاناة أخوتنا في الوطن، لكن هل يعني ذلك القدرة على تحمل مشاهدتهم “لايف” وهم يتألمون ومن ثم التأفف قليلاً ومتابعة مشاغلنا، أم مساعدتهم مادياً ومعنوياً وعاطفياً!

طبعاً من الضروري فضح الإرهاب الإجرامي الذي يمارسه أعدائنا وأعداء الوطن، لكن تخصيص مواقع إلكترونية منظمة لتوثيق هذا الإرهاب بحيث يتطلع عليه المتابعين والمختصين بهذه الجرائم قد يكون أكثر فائدة، كما ان هذه الطريقة تتيح إمكانية الاستفادة من هذا التوثيق واسترجاعه مستقبلاً.

ومما زاد الطين بلة، وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يقوم الشخص بتقليب المشاركات مثلا على الفيسبوك، فيجد مشاركة حزينة فيكتب ” أنا حزين”، وبعد لحظة، لحظة فقط، يجد دعابة أو مناسبة سعيدة فيكتب ” أنا بغاية السعادة”، ما هذا النفاق الاجتماعي؟ لقد أصبحت مشاعرنا تعلب وتغلف آلياً، إنها ليست وسائل تواصل اجتماعي بل وسائل تواصل سيكوباتي بامتياز!

أما على صعيد برامج الأطفال، فلم يعد للقيم الاجتماعية والأخلاقية ومعاني التعاطف والرحمة مكاناً أيضا، حيث أن معظم برامج الأطفال تركز على الواقع الافتراضي، وصراع الوحوش الخيالية، وصراعات الأنا في كرة القدم والبوكيمون وغيره، كما أن مفهوم الأسرة لم يعد يظهر في برامج الأطفال، أما بالنسبة لألعاب الكومبيوتر فحدث ولا حرج.

أما على صعيد العمل، فلا يوجد أي تركيز ضمن المؤسسات على قيم التعاون والتعاضد، ولا يوجد شعارات تخص أخلاقيات العمل، لا أعلم لماذا يتم إهمال ذلك، فلم أسمع بمدير قام بجمع أفراد المؤسسة لمناقشتهم عن أخلاقيات العمل والاحساس بالانتماء للمؤسسة، لقد أصبح المبدأ الميكافلي هو المبدأ الوحيد الغير معلن الذي يقر ويعترف به جميع العاملين للأسف.

اما على صعيد الأسرة فقد أصبح ابن العم أو الخال غريباً، والجد والجدة ضيوفاً ثقالاً، وأطفال الجيران أعداء، أما الأخوة فهم في صراع دائم على الموارد!

*ماذا نعمل؟

في الواقع الموضوع ليس بالسهل بعد ما وصلنا إليه، فالأمر يتطلب تظافر جميع الأفراد الإيجابيين في المجتمع بدءاً من رجال الدين والمعلمين والمدراء وأرباب الأسر.

أما على الصعيد الحكومي فيجب توفر مؤشرات لتقييم الحالة السيكوباتية سواء في المدارس أو مراكز اللجوء أو في الأحياء وذلك من خلال استبيانات واحصائيات خاصة ، بحيث يتم إصدار مؤشر الحالة السيكوباتية للمجتمع دورياً و جنباً إلى جنب مع مؤشرات التنمية الرئيسية مثل مؤشر الميزان التجاري أو مؤشر الناتج الإجمالي المحلي (أعلم أن هذه المؤشرات ما تزال إحصائية وليست رقمية للأسف)، أما على صعيد الجانب الإجرائي فلا بد من مراجعة الخطاب الموجه للعامة بكافة أشكاله ، وإنشاء مؤسسات رعاية اجتماعية تعنى بهذا الموضوع، وتدريب المعلمين والتربويين على رعاية مثل هذه الحالات والتعامل معها، وإصدار البرامج التثقيفية في هذا المجال وتناوله في وسائل الإعلام ، فمثلاً قيام الأطفال بقطع شجرة بغرض التسلية هو مؤشر سيكوباتي ، أو قيام أحدهم بتخريب الأملاك العامة فهو مؤشر سيكوباتي أيضاً، أما بالنسبة للدين والمجتمع، فيجب التخلص من جذور الميكافلية في تفسير أو شرح بعض النصوص الدينية بالكامل، أما على صعيد الرعاية الاجتماعية فمن الضروري التركيز على العمل الإنساني والمشاركة الوجدانية والعاطفية (الحنان) مع ذوي الحاجات جنباَ إلى جنب مع تقديم المساعدات المادية.

 

Advertisements

About محمد غياث العلبي

تجول من هاتفك حول العالم مع مختارات من كبريات الصحف والمجلات والمواقع العالمية في مختلفة المواضيع الثقافية والترفيهية,مع مقدمة بالعربية حول الموضوع, ساحة للحوار وتبادل الآراء والمتعة. الهدف من الصفحة هو: 1. تطوير انساق اجتماعية جديدة متناسبة مع متطلبات العصر وثورة المعرفة والمعلومات. 2. تجشيع الشباب على التوظيف الصحيح للثورة الحاصلة في تكنولوجيا المعلومات. 3. تجشيع الشباب على قراءة المقالات المصدرة من المراكز الحضارية مباشر وباللغة العالمية. 4. توسيع الأفق الثقافي لجيل الشباب والانفتاح على الحضارات العالمية. 5. الانتقال بالثقافة من أروقة المواقع المتخصصة والمراكز الثقافية , إلى البيوت والحارات والأحاديث المتداولة بين العامة. 6. تحويل الثقافة إلى وسيلة للترفيه والتسلية والتواصل.
هذا المنشور نشر في مجتمع, علم اجتماع. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s