صعوبات إعادة الإعمار

stick_figure_mantraps_lg_thm

الكاتب: محمد غياث العلبي – عبد الحميد القتلان

أذكر في العقد الماضي، قامت المحافظة بافتتاح سوق خضار بجوار منزلي، حيث تم إجراء افتتاح رسمي له وتغطيته إعلامياً بشكل جيد جداً، وبدء الباعة يملؤون محالهم بحماس، لكن ما لبث أن بدء السوق يخفت شيئاً فشيئاً، وبدء المحال تغلق الواحد تلو الآخر، وعبثاً حاولت المحافظة تشجيع الباعة على الصمود والبقاء في محالهم، حيث أن كمية الزبائن التي ترتاد السوق كانت لا تكفي لتغطية نفقات الباعة، وهكذا بقي السوق مغلقاً لعشر سنوات، ثم ما لبث مع منصف الأزمة الحالية ومع إغلاق أسواق مهمة في ريف دمشق، أن انتعش بشكل مفاجئ حيث أنه لم يبقى سوقاً للخضار فحسب بل أصبح سواقاً لقطاع عريض من السلع الاستهلاكية!!

في الواقع أن هذه الحالة ليست الوحيدة التي ظهر فيها فجوة كبيرة بين المتطلبات المتوقعة للتنمية وما هو مطلوب فعلاً، والعديد من قرَّاء هذه المقالة يعرف حالات مماثلة، كما ان الأداء الحكومي بشكل أو بآخر يدرك نقطة الضعف هذه لذلك يقوم وبطريقة ما وقد تكون من خلال التجربة بأنه يجب عليه القيام بعمليات التنمية والتطوير بشكل بطيء جداً وعلى مراحل مع إمكانية التراجع في حال ظهور خطب ما، كونه غير متأكد من صحة النتائج او المتغيرات التي ستنشأ عن التغيير ذاته.

*متطلبات البيئة الجديدة:

قد تكون هذه الاستراتيجية مقبولة سابقاً، لكن مع نهايات المرحلة الأولى من الأزمة الحالية، ظهرت متغيرات مختلفة كلياً تجعل طريقة العمل السابقة مدمرة، حيث أنه هناك حاجات ماسة يجب تأمينها بأسر وقت ممكن، مثل الأمن والمياه الصالحة للشرب والسكن والمواصلات والكهرباء والتعليم والعمل. حيث أنه تأمين هذه المتطلبات أصبح ملحَّاً ومطلوباً على كافة المستويات، كما أن الطريقة التجريبية التدريجية وبطء آليات التنفيذ المعتاد عليه، قد لا تكون مقبولة.

ليس هذا فحسب بل يوجد عامل مهم جداً، وهو أنه مع نهاية هذه المرحلة قد تتوفر جهات مانحة مستعدة لتقديم قروض ومساعدات مالية تحت عنوان إعادة الإعمار، وهنا تكمن العقدة الحرجة، حيث أنه من الممكن مثلاً ان يتوجه الحماس لإعادة إعمار مناطق سكنية كانت آهلة بالسكان والنشاط الاقتصادي قبل الأزمة، حيث يتم وضع الخطط لإعادة الأعمار ورصد الاعتمادات والبدء بتشييد البنية التحتية، واقتراض القروض وفتح الباب لمساهمة المواطنين، لكن ما يلبث أن يكتشف الجميع، وبعد إنفاق مبالغ معتبرة من المساعدات والقروض بأن الجاذبية الاستثمارية لهذه المنطقة قيد الإنشاء ليس كما كان يُعتقد، وأنه من المحتمل أن لا يتم تأمين مشتريين لهذه الوحدات المنشأة او أن المساهمين في الأصل قد بدئوا يُظهرون رغبة أقل وحماساً أقل للمشاريع وقد يظهر حالات عجز عن السداد، مما قد يحوِّل عملية إعادة الأعمار إلى فخ هائل يبتلع المساعدات والقروض بدون تقديم نتائج تنموية حقيقية.

*ماذا يمكن أن نفعل؟

في البداية لا بمد من وجود استراتيجية وطنية للتنمية وتأمين مصادر التمويل الدائمة والتي يفترض أن يتم وضع خطط الإعمار وإنشاء المناطق والتجمعات السكنية والنشاطات الاقتصادية وسلاسل التوريد بناء عليها، وهنا لا بد من وضع رؤيا لما يجب ان تكون عليه سورية خلال 15 سنة مثلاً، فمن الممكن أن نقول إننا ننظر إلى سورية على أنها عقدة مواصلات مهمة بين القارات الثلاث ونقطة لتجميع البضائع وإعادة الشحن على سبيل المثال أو منتج رئيسي للألبسة الداخلية أو زيت الزيتون على سبيل المثال.

من جهة أخرى يجب أن نتحلى بالعقلانية والمزيد من العقلانية، ويجب ان ننسى لبرهة واقع النشاط الاقتصاد قبل الأزمة، بحيث أننا عندما نقوم بالتخطيط نقوم بالتخطيط على أساس صفري وليس على أساس ما قد كان منذ سنوات بحيث يتم دراسة كل مجموعة من مشاريع الأعمار التي تهدف لغاية معينة استناداً إلى الاستراتيجية الوطنية للتنمية، ضمن سلة واحدة متكاملة، ومن المهم أن نحقق هنا شرط التنمية الدائمة والتي تعني أن تكون سلة المشاريع المقترحة قادرة بالنتيجة على تمويل نفسها وعلى أن تحقق فائض في التنمية يتيح استمرارها مستقبلا ودعمها ذاتياً، فمثلاً وللتوضيح في حال أننا رغبنا في تأمين منطقة سكنية لربع مليون مواطن يجب في البداية تحديد نوع النشاط الاقتصادي الذي يفترض ان يقوم به المواطنون في هذه المنطقة، فمثلاً في حال أن سلة النشاطات المفترضة والتي يُعتقد أن سكان هذه المنطقة يتقنونها أو مستعدين للتعامل معها، هي الصناعات الخفيفة والمتوسطة مثل النسيج والالبسة والكيماويات، عندها يجب تجهيز منطقة صناعية مجاورة مجهزة لهذا القطاع من الأعمال والأهم من ذلك تأمين سلاسل التوريد الضرورية لتأمين مستلزمات الإنتاج بدءاً من الكهرباء والطاقة والمواد الأولية والمواصلات وانتهاءً بأسواق التصريف بما يتضمن ذلك مراكز التدريب والتأهيل والخدمات المالية وتقديم المساعدات والمشورة التجارية والصناعية ، وهنا قد يقول قائل: لماذا هذا التعقيد وقد نشأت العديد من المناطق السكنية وانتعشت بشكل تلقائي، وهنا لا بد من أن نقول أن ذلك صحيح و لكنه استغرق وقتاً طويلاً من المحاولة والخطأ، ام الآن فلا الوقت يسمح بهذه التجارب ولا السكان ولا الحكومة تمتلك الملائة المالية لاختبار مثل هذه التجارب.

*دور المعلومات وتكنولوجيا المعلومات:

من الضروري هنا أن نقتنع بأنه لا يمكن وضع الخطط على هذه المستوى بناء على الحدس والذكاء الفطري، ولا بد من أن نتسلح بأدوات ضرورية لنجاح عملية التخطيط والتنفيذ وفي مقدمتها معلومات حديثة حول التوزع الجغرافي الجديد للسكان والمعلومات السكانية المختلفة مثل الفئات العمرية وطبيعة النشاطات الاجتماعية والسمات الثقافية ومعدلات الإنجاب ومستوى التعليم وحجم المدخرات المالية المتوقع، والخبرات المهنية… وغيرها، إضافة إلى دراسة عملية لسلاسل التوريد المقترحة ودور هذا التجمع السكاني في سلاسل التوريد المتعلقة بهذه المنطقة الجغرافية، وهنا لا بد من الإشارات إلى ان هذه المعلومات لا بد أن تكون رقمية ولا بد من الاقتناع والتسليم بوجوب توظيف تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات كحامل ومحفِّز تكنولوجي يقوم بجمع هذه المعلومات وتصنيفها وإدارتها ومعالجتها وتقديم النتائج الرقمية استناداً إليها، بحيث يساهم في تقديم الأدوات المناسبة لصنَّاع القرار إضافة إلا ميزات إدارية عصرية أخرى ضرورية لنجاح الإعمار مثل الشفافية والفعَّالية.

قد تكون هذه الخطوات حالمة إلى حد ما، لكن مجرد ذكر ذلك هو الخطوة الأولى على طريقة الواقعية وتحويل الأحلام إلى حقائق، إما في حال تسليمنا بالعجز منذ البداية، فهذا يعتبر إقراراً بالفشل قبل بدء السباق…

 

 

 

Advertisements

About محمد غياث العلبي

تجول من هاتفك حول العالم مع مختارات من كبريات الصحف والمجلات والمواقع العالمية في مختلفة المواضيع الثقافية والترفيهية,مع مقدمة بالعربية حول الموضوع, ساحة للحوار وتبادل الآراء والمتعة. الهدف من الصفحة هو: 1. تطوير انساق اجتماعية جديدة متناسبة مع متطلبات العصر وثورة المعرفة والمعلومات. 2. تجشيع الشباب على التوظيف الصحيح للثورة الحاصلة في تكنولوجيا المعلومات. 3. تجشيع الشباب على قراءة المقالات المصدرة من المراكز الحضارية مباشر وباللغة العالمية. 4. توسيع الأفق الثقافي لجيل الشباب والانفتاح على الحضارات العالمية. 5. الانتقال بالثقافة من أروقة المواقع المتخصصة والمراكز الثقافية , إلى البيوت والحارات والأحاديث المتداولة بين العامة. 6. تحويل الثقافة إلى وسيلة للترفيه والتسلية والتواصل.
هذا المنشور نشر في تنمية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s