النهضة ومأسسة المجتمع

occmindoropar

الجزء الأول: لماذا المأسسة؟

كثيراً ما يغلب على المجتمعات النامية صفة العشوائية، التي تنسحب على جميع مناحي الحياة، فبالنسبة للمواعيد يعتبر التأخر عن الموعد بحدود الساعة وأحياناً أكثر، أمر مقبولاً بشكل عام، ومواعيد الغداء والعشاء متغيرة من يوم لآخر، أما على صعيد الأهداف والتخطيط للمستقبل فهي شبه منعدمة او غير صحيحة، فغالبية الأفراد تعتقد أن امتلاك سيارة أو هاتفاً محمولاً هدفا حقيقياً يملئ الحياة بمعانيها، أما بالنسبة لكيفية تنفيذ هذه الأهداف ومراحلها، فيعتبر تفصيلاً غير ضرورياً، ويستعصي تنفيذه إن وجد.

أما بالنسبة للنزعة الفردية فهي طاغية في المجتمع، فعلى الرغم من غنى الموروث الثقافي والديني بأهمية التعاون والتشارك، إلا أن تأثيره شبه معدوم في حياة الأفراد، فالطلاب في المدرسة يكذبون بخصوص برامج دراستهم المنزلية وخاصة المتفوقون ويمتنعون عن مساعدة زملائهم، والأعمال الجماعية شبه معدومة، والجيران في الحي في حالة صراع وخلاف وانتقاد ومراقبة، والأطفال في البيت الواحد مختلفون ولا يتعاونون، وحلقات البحث في الجامعات لا تتم بشكل مشترك بين الطلاب، وغالباً ما يقع عبئ العمل على أحدهم ويكتفي الآخرون بالتفرج.

أما في بيئة العمل فالصراع على أشده على كافة المستويات، بين المدير وموظفيه، وبين الموظفين فيما بينهم، حيث تستخدم كافة الأسلحة المتاحة بدون استثناء.

أما بالنسبة لمعالجة المشكلات، فهي تقتصر على تجنب الأذى الشخصي، فمثلاً في حال أن هناك مشكلة في التيار الكهربائي في منطقة ما، فغالباً ما تنحصر مشكلة كل فرد، في إيجاد حل فردي لمشكلته، ولا يهتم بالآخرين، أما بالنسبة للاعتداء على حقوق الغير فحدث ولا حرج…

أما بالنسبة للمستوى الثقافي، فغالباً ما يتراجع مستوى الأفراد وطموحاتهم ونشاطهم، بدءاً من انتهاء الحياة المدرسية أو الجامعية ومع التقدم في الحياة العملية، حتى أنك لا تكاد تدرك أن هذا الفرد متعلم، إلا بعد أن يعلمك بذلك أو يبرز شهادته.

أما بالنسبة للأخلاق فهي متردية غالباً، والكذب ملح الحياة، حتى أصبح الشخص الصادق والمنضبط، شخصاً مسكيناً ولا حول له ولا قوة.

حتى في حال أن هؤلاء الناس قد قرروا التعاون لتنفيذ عمل ما، فغالباً ما ينتهي بهم المطاف بالإحباط أو الفوضى والفشل، وتبادل الاتهامات فيما بينهم!

لماذا هذا الواقع؟

في الواقع أن الإنسان ابن بيئته، ففي حال أنه لم يعيش في بيئة تمرسه على الانضباط والتعاون والأخلاق، فغالباً سوف ينتهي به المطاف بما ذكرنا سابقاً، هذا من جهة، ومن جهة أخرى والأهم في ذلك هو أنه محاولة خلق بيئة لا تستند إلى أسس عملية وطبيعية تضمن بقائها واستمرارها، كما حاول العديد من المنظرين والفلاسفة، لا بد أن ينتهي بالفشل أو حتى بواقع أسوء من الواقع الحالي.

الغرب ومأسسة المجتمع:

في الواقع أن الغرب استطاع من حيث يدري ولا يدري، التوصل إلى إدراك جوهر قوته، وهو المأسسة، فمع ظهور الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، بدأت تنتشر المعامل وتنشأ المؤسسات الاقتصادية وتتضخم، وبدأ السكان ينتظمون في هذه المؤسسات للعمل فيها، فأصبح لزاماً عليهم تعلم وممارسة قيم الانضباط والالتزام بالمواعيد من استيقاظ ونوم وطعام وحتى ترفيه، والتعاون فيما ينهم لإنجاز الأعمال المطلوبة منهم في هذه المؤسسات، والتركيز على مفاهيم التخطيط والتواصل والتعاون فيما بينهم والتشجيع على الإبداع والصدق ، وذلك حتى تستطيع هذه المؤسسات أن تقدم أفضل ما عندها وان تصمد في بيئة شديدة التنافس، كما ان أصحاب هذه المؤسسات بدئوا يدركون هذه القيم ويعملون على تعزيزها من خلال المكافئات والعلاوات والتدريب والاحترام، وما لبث أن انخرط قطاع التعليم في هذه التجربة وبدأ يدرب ويأهل التلاميذ لامتلاك واعتياد هذه القيم.

لقد أضحى المواطن الغربي منذ نعومة أظفاره يدرب على هذه القيم، حتى أنها أصبحت تُطبع في جيناته!

ما هي المأسسة:

المأسسة تعني أن يكون طابع النشاط الاقتصادي للدولة منتظم ضمن مؤسسات وليس عشوائياً، وقد تم تصنيف هذه المؤسسات وفقا لحجم العمالة فيها، على الشكل التالي (أغلب الدراسات تعتمد هذا التصنيف):

مؤسسات كبيرة: فوق 250 موظف.

مؤسسات متوسطة: 50-250 موظف.

مؤسسات صغيرة: 10-50 موظف.

مؤسسات بالغة الصغر (ميكروية): أقل من عشر موظفين.

شروط المأسسة الصحيحة وأثرها:

يرتبط مستوى التقدم الحضاري في أي بلد بعاملين أساسيين: الأول هو كيفية توزع العمالة ضمن هذه المؤسسات(الكبيرة والمتوسطة والصغيرة) حيث أنه يتوزع على المؤسسات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة في الدول المتقدمة، بينما ينتشر في المؤسسات بالغة الصغر أو ذات النشاط الفردي أو العشوائي الغير مرخص في الدول المتخلفة، والعامل الثاني هو مدى جودة هذه المؤسسات ونشاطها ضمن بيئة تنافسية عادلة.

لقد أعتبر أن توفر هذه المؤسسات وتوازنها بشكل جيد، عاملاً أساسياً في نشوء اقتصادات قوية ومرنة وظهور بيئات تولد وتدعم المعرفة والإبداع والتعاون والالتزام والأخلاق سواء للمجتمع أو للعاملين في هذه المؤسسات.

إن ازدياد حجم المؤسسة يفرض عليها التزامها بالمعايير الحديثة في الإدارة لضمان استمرار نشاطها ضمن بيئة تنافسية عادلة، مثل تعزيز التعاون والتواصل بين العاملين واحترام الرأي الأخر والتخطيط والتنظيم والتحريض على الابداع والعمل الجماعي وتنمية مهارات الإدارة وحسن اتخاذ القرار لدى العاملين،بحيث تصبح هذه المؤسسات مولدات دائمة للمعرفة.

وربما لا يخفى على أحد أن انتشار مثل هذه الثقافة في المجتمع سوف يجعل من الصعب أو المستحيل نمو الفكر المتطرف الذي يدعو إلى تطبيق أفكاره بالقوة بعيدا عن المنطق و العقل أو حتى قبول الآخرين.

 

واقع المؤسسات في العالم:

في البلدان المتقدمة، غالبا ما يتركز اكثر من نصف العاملين في المؤسسات الكبيرة والمتوسطة، وتكون. نسبة العاملين في المؤسسات بالغة الصغر ضئيلة جدا، عكس الدول النامية،فعلى سبيل المثال،  يبلغ نسبة العمالة في المؤسسات الكبيرة والمتوسطة في بريطانيا 60%، وإذا أضفنا لهم المؤسسات الصغيرة تصل النسبة إلى 99.3%، أما في دولة نامية مثل مصر فيبلغ نسبة العمالة في المؤسسات التي عدد أفرادها أكثر من 20 موظف القيمة 14.6%، وذلك وفقا لدراسة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة لعام 2014،  أي من الممكن التقدير وبشكل مقبول، أنه حوالي 80% من إجمالي العمالة يعمل في مؤسسات بالغ الصغر، وبالتالي ليس لديهم ثقافة مؤسسية، طبعاً وهنا لم نأخذ بعين الاعتبار مدى جودة هذه المؤسسات أو العدالة التنافسية للسوق، كما أن القسم الأكبر من هذه العمالة التي تعمل في مؤسسات متوسطة وكبيرة ، تعمل في مؤسسات قطاع حكومي لا تخضع لتنافسية السوق!

لكن السؤال الذي يطرح نفسه، في ظل هذا الواقع المأساوي في الدول النامية، هل من الممكن احداث تغيير في بنية المجتمع وطبيعة النشاط الاقتصادي، باتجاه المأسسة، وكيف؟

يتبع…

نُشِرت في متفرقات | أضف تعليق

هل تصبح الإدارة الحكومية شفافة؟

Gov Transparency

 

الكاتب: محمد غياث العلبي- عبد الحميد القتلان

تمتلئ ثقافتنا الموروثة بالكثير من الأمثال والحكم التي تتحدث عن ضرورة السرية والتكتم بالعمل ، وحماية الانجازات من أعين المقربين والأعداء على حد سواء، خشية الحسد، وتقسيم الناس إلى خواص وعوام حيث ما يعرض للخواص لا يجب أن يقدم للعوام خشية قصورهم في فهمه مما قد يسبب في انتشار الفوضى أو تدخل من لا يعنيه فيما لا يغنيه.

لكن كل المؤشرات في العالم تشير إلى أننا في آخر الزمان، حيث تنقلب المفاهيم والأفكار بشكل غريب وسريع، حيث أصبحت الحكومات في العالم تتسابق في عرض بياناتها ومنتاجاتها المعرفية للعامة والتي كانت توسم بالسرية سابقا، حيث أنه أصبح لها قانون خاص يدعى بقانون حرية المعلومات Freedom of Information Act والذي توالت حكومات العالم المتقدم في تبنيه بدءا من الولايات المتحدة الأمريكية عام 1966 وحتى ألمانيا الإتحادية عام 2005.

بناء على هذا القانون بدأت الحكومات بإصدار وثائق وبيانات حكومية للعامة مثل بيانات الإنفاق على المشاريع الاستثمارية ونسب الإنجاز كما في دولة الإمارات المتحدة بدءا من عام 2011 ، أو السماح بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية للعامة كما في تونس وفقا لمرسوم عام 2011 ، أو إصدار بعض المؤشرات الحكومية الخاصة بالاحصاء والمؤشرات المالية والتعليم والبيئة وغيرها من المؤشرات كما في مصر وفقا لمبادرة البيانات الحكومية المفتوحة منذ عام 2011.

أصبحت هذه الممارسات والتي تتدعى أيضا بمبدأ الشفافية Transparency ،مبدأ أساسيا ضمن مفهوم أعم يدعى الحكومة المفتوحة Open Government.

ليس هذا فقط بل ظهرت مبادئ جديدة تتعلق بمفهوم الحكومة المفتوحة، تتعلق بمبدأ التشاركية Participation التي تتيح للعامة المساهمة في تطوير الأداء الحكومي ، مثل أن يتاح للعامة مناقشة مشاريع القرارات الحكومية عبر وسائل التواصل الحكومية كما في بوابة “شارك” في الحكومة الألكترونية السورية عام 2011 ، أو اقتراح مشاريع قرارات أو أفكار لحل المشاكل كما في مقترحات تطوير خدمات النقل الداخلي (السرفيس) على سبيل المثال أو تعديل خطوت مواصلاتها.

كما ظهر مبدأ آخر أيضا وهو مبدأ التعاون Collaboration والذي يتيح للوكالات المتخصصة المختلفة الحكومية وغير الحكومية التعاون في تطوير الأداء الحكومي وأقتراح الحلول واتخاذ القرارات، مثل أن يتاح لمنظمات غير حكومية متخصصة في مجال التعليم، التعاون مع وزارة التربية في تطوير وتنفيذ الخطط التعليمية في مناطق معينة.

OpenGovPrenciples

شكل 1المبادئ الرئيسية للحكومة المفتوحة

 

لماذا الحكومة المفتوحة؟

أتاح التطور الحاصل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات سهولة التواصل بين قطاعات المجتمع وازياد قيمة المواطن نتيجة ازدياد قيمته التواصلية مع الآخرين وانتشار المعلومات والمعارف التي أتاحت للعامة الاطلاع على قضايا وفهم أفكار لم تكن متاحة لسابقيهم، كل هذا ترافق مع ازياد حدة تنافس الأقطاب المختلفة ومراكز القوى والدول في العالم ، مما حتم على الحكومات الاستفادة القصوى من الإمكانيات الوطنية المتاحة بهدف تطوير الأداء والفعالية الحكومية، وبالتالي ضرورة تجاوز المفاهيم السابقة حول سرية وتخصص العمل الحكومي.

كما أن الحكومة المفتوحة وسيلة أساسية وفعالة في تعزيز الوحدة الوطنية والشعور الوطني وموائمة الحراك الاجتماعي ودعم الاستقرار الوطني حيث أنها تتيح للمواطنين فرصة المساهمة الإيجابية في بناء وطنهم و التعبير عن أنفسهم بشكل سلمي وتعزز التعاون فيما بينهم.

من جهة أخرى تتيح مبادئ الحكومة المفتوحة فرصة اختبار المؤسسات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية وخاصة الأحزاب والمرشحين السياسيين والمرشحين للمناصب الحكومية ومعرفة قدراتهم وخبراتهم بشكل عملي ، وذلك من خلال إتاحة فرصة مساهمتهم في مناقشة واتخاذ القرارات وطرح الحلول و آليات التنفيذ والمتابعة والتقييم.

إضافة إلى ذلك فإن هناك الكثير من المشاكل المستعصية قد يكون الحل الأمثل لمعالجتها هو من خلال إتاحة النفاذ للبيانات الحكومية للعامة وإتاحة المسائلة الحكومية للعامة، كما في قضايا الفساد والتطوير الإداري وإصلاح القطاع العام.

 

كيف يمكن الانتقال للحكومة المفتوحة؟

دائما عمليات الانتقال يفضل أن تكون مرحلية ومدروسة بغية إتاحة إمكانية التقييم والمراجعة واختبار النتائج والتحسين للمراحل الاحقة، ومن الممكن وضع التصور التالي في هذا السياق:

1-وضع استراتيجية وطنية حكومية جديدة:

يفترض أن تختصر هذه الاستراتيجية الرؤيا الوطنية لمكانة المجتمع والمواطن والحكومة في المستقبل من خلال تفعيل دور المواطن في الرقابة والمتابعة على سبيل المثال أو تطوير اقتصاد معرفي ورقمي أو نظام تعليمي مميز.

2-إنشاء مبادرة وطنية للحكومة المفتوحة:

تستند هذه المبادرة إلى الاستراتيجية الوطنية الحكومية ، وتمثل الأداة التنفيذية لها ، حيث تضع خطط مرحلية للتنفيذ وآليات للرصد وتقييم النتائج واقتراح التعديلات والحلول.

لإنجاح هذه المبادرة لا بد من البدء بشكل تدريجي واختيار أهداف ذات تأثير مباشر على المواطن لتحصيل الدعم من جهة و تخفيض الممانعة من مراكز القوى بنفس الوقت، مثلا من الممكن أن تكون الخطوة الأولى هي من خلال طرح بيانات نشاطات البلديات وخططها ومشاريعها وفق خطة مدروسة ومحددة للعامة وإصدار مؤشرات حول الانفاق على المشاريع الخدمية في قطاع البلديات، ومن ثم توسيع هذه الخطة لتشمل مؤشرات الانفاق على المشاريع الاستثمارية والبيانات الاحصائية الحكومية والكتب والمراسلات الحكومية المتبادلة.

أما على صعيد التعاون مع الجهات المتخصصة قد يكون من المفيد إنشاء منصة تشاركية إلكترونية تتيح مساهمة الجهات ذات الخبرة في تطوير الخطط والمشاريع الحكومية حيث يمكن إتاحة الفرصة المساهمة للمنظمات غير الحكومية المتخصصة في مجال التنمية ومكاتب الأحزاب السياسية الخاصة بالتنمية إضافة إلى الجهات الحكومية ذات الصلة ، وذلك عبر هذه المناصات الإلكترونية حيث تتعاون في المتابعة والتقييم واقتراح الحلول والإجراءات والآليات.

في حال نجاح التجربة من الممكن توسيع العمل من خلال توسيع دائرة المشاركة ونوعية المشاركة والمسؤوليات ومدى وتفصيل البيانات المتاحة.

في النهاية قد يكون من المجدي أن تصبح الحكومة متاحة للشارع ( حكومة مفتوحة)، ولو كان ذلك على حساب التضحية بالمبادى القديمة مثل السرية والخصوصية ،وذلك في مقابل الحصول على حكومة فعالة وكفوءة.

 

نُشِرت في متفرقات | أضف تعليق

توظيف تكنولوجيا المعلومات في استقرار سلاسل التوريد

Poultry-site-clucks

الدواجن مثالا

تعتبر صادرات الدواجن مصدرا أساسيا للدخل الوطني في بعض البلدان النامية، حيث بلغت قيمة إجمالي الصادرات على سبيل المثال في تايلاند من الدواجن حوالي 1.6 مليار دولار ، موزعة تقريبا نصفها إلى الاتحاد الاوربي والنصف الآخر إلى اليابان.

من جهة أخرى تعتبر تربية الدواجن أحد وسائل التنمية الاقتصادية في المناطق النائية ومصدرا أساسيا لتوظيف الأيدي العاملة، حيث أن عملية إنتاج الدواجن لا تحتاج لبنى وتجهيزات انتاجية ضخمة وهي مرنة من حيث إمكانية الإنتاج التي تتراوح من الإنتاج بكميات صغيرة بالعشرات، إلى مزارع ضخمة قد تصل إلى 9000 دجاجة كما في بريطانيا.

مشكلات تربية الدواجن:

يعتبر استقرار سوق العرض-الطلب من أهم الأسباب التي تعيق نمو أعمال تربية وإنتاج الدواجن في بلادنا، حيث لا يوجد آلية تتيح التنبوء باحتياجات السوق من الدواجن مستقبلا ، أو آلية لمعرفة كمية الانتاج المتوقعة، حيث غالبا ما يتسبب ارتفاع أسعار الدواجن لأسباب موسمية أو تجارية مع استقرار تكلفة الأعلاف ، إلى ازدياد كبير في عملية الانتاج المستقبلية نتيجة ازدياد هامش الربح خاصة و أن عملية انتاج لحوم الدواجن لا تحتاج لوقت طويل (45 يوما ضمن شروط معيارية)، مما يتسبب في إغراق الأسواق مستقبلا وانخفاض أسعارها بشكل مفاجئ ، الأمر الذي يتسبب في استنزاف المنتجين وخاصة صغار المنتجين الذين لا يمتلكون الملاءة المالية الكافية لتحمل هذه التقلبات ويتسبب في النتيجة إلى تراجع الأعمال قي هذا القطاع.

عدا عن أن صغار المنتجين أقل خبرة في استشفاف التقلبات المستقبلية للسوق او التحكم بها من كبار المنتجين، الذين قد ينجحون في انشاء شبكات لضبط أسعار الأعلاف بما يناسبهم أو المعرفة المبكرة للقوانين الاقتصادية التي تؤثر على هذا السوق.

الحلول:

1-توظيف تكنولوجيا المعلومات:

على الرغم من صعوبة التنبوء بحجوم العرض والطلب مستقبلا ( ضمن حدود شهرين) ، حيث أنها تعتبر من الأمور المعقدة نتيجة تعدد العوامل التي تؤثر على هذه المعادلة، إلا أنه هناك تجارب ناجحة في العديد من الدول في هذا المجال كما في فرنسا وبريطانيا، حيث يتم الاستفادة من بيانات ومعلومات سابقة تاريخية تتعلق بالعرض والطلب وتحليل ارتباطها هذه التغيرات السابقة بالعوامل التي أثرت فيها مثل انخفاض أو ارتفاع الأعلاف و معدل استيراد جدات الدواجن( الدواجن الآباء المستوردة التي تعتبر أساسا للإنتاج حيث أنه لا يمكن إنتاجها محليا) ومعدل استهلاك أمهات الدواجن والأوقات من السنة مثل فترات الأعياد أو بداية فصل الربيع، وتغير معدل دخل الفرد وعلاقته بعاداته الغذائية و تغيرات أسعار البدائل من منتجات اللحوم.

بناء على عمليات تحليل هذه البيانات يتم إنشاء علاقات إرتباط بين المتغيرات ونتائجها على سوق العرض والطلب، مما يتيح إمكانية نشر هذه المعلومات من قبل مؤسسات متخصصة في هذا المجال وعبر أدوات تكنولوجية حديثة مثل تطبيقات الموبايل، مما يتيح لدى المنتجين إعادة تنظيم خططهم الإنتاجية وفقا لهذا التوقعات.

2-دور مؤسسات التدخل الإيجابي:

قد يكون من المفيد جدا توفر مؤسسات تدخل إيجابي يتم تمويلها من قبل الضرائب على هذا القطاع ويكون دورها الأساسي هو جعل التقلبات في معادلة العرض-الطلب أقل سرعة وذلك من خلال تخفيض سرعة التغيرات والتقلبات في أسعار الأعلاف على سبيل المثال أو في أسعار اللحوم، فمثلا في حال إزدياد العرض مقابل الطلب من اللحوم بشكل مفاجئ والذي قد يسبب انخفاض كبير في أسعار اللحوم ، من الممكن لهذه المؤسسات ان تقوم بشراء جزء من الكميات الفائضة من الإنتاج وإعادة ضخها في السوق بشكل تدريجي مما يتيح إمكانية امتصاص التغير المفاجئ قي معادلة العرض- الطلب ويخفض في حجم الخسائر لدى المنتجين ويتيح لهم الوقت الكافي لتخفيض إنتاجهم في دوراتهم الإنتاجية التالية.

كما تقوم هذه المؤسسات بشكل معاكس بتخفيض معدل ارتفاع أسعار اللحوم المفاجئ في فترة الاعياد على سبيل المثال، والتي تثقل كاهل المواطن من خلال طرح كميات إضافية من اللحوم المخزنة لديها في الأسواق، وبالتالي تضعف شهية المضاربين في هذا القطاع.

طبعا هنا يتوجب على هذه المؤسسات الاستفادة من أنظمة تكنولوجية تساعدها في توقع تقلبات العرض والطلب المذكورة سابقا، حتى تستطيع اتخاذ القرار المناسب بخصوص التدخل الإيجابي في سوق الدواجن.

وفي النهاية من الضروري أن ندرك أنه لا يمكن أن ننشئ أعمال ناجحة تساهم في زيادة الدخل الوطني، بدون توظيف لرؤوس أموال و وضع خطط وآليات قابلة للتنفيذ ، والتي تحتاج بدورها إلى توظيف تكنولوجيا المعلومات حتى تستطيع جعل هذه الآليات والخطط قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.

 

نُشِرت في متفرقات | أضف تعليق

جودة سلاسل التوريد-الزيتون مثالا

حبوب زيت زيتون تباع في الصيدليات كمكمل غذائي بأسعار باهظة!

حبوب زيت زيتون تباع في الصيدليات كمكمل غذائي بأسعار باهظة!

 

الجزء الثانيالحلول

 

بلغ انتاج سورية من زيت الزيتون عام 2010 حوالي 135 ألف طن ، أم بالنسبة لقيمة الصادرات من زيت الزيتون فلم تتجاوز 80 مليون دولار، في حين أنه لو تم اعتماد وتطوير سلاسل توريد مناسبة، من الممكن أن تصل عائدات التصدير إلى مليار دولار، لتصبح ثاني مصدر للدخل الوطني من العملة الصعبة بعد النفط!

قد يعتقد البعض أنه هناك مبالغة، لكن دعونا نتفحص سلسلة التوريد السورية حلقة حلقة ونستكشف الإمكانية المتاحة في كل حلقة لزيادة العائد على الاستثمار وكيفية زيادة إمكانية وجودة التصدير:

  1. جودة الانتاج الزراعي: بلغ إنتاج إيطاليا من ثمار الزيتون عام 2010 حوالي 2.25 مليون طن، ناتجة عن مساحة أراضي مزروعة حوالي مليون هكتار، بينما بلغ إنتاج الزيتون في سورية لنفس العام حوالي 1.2 مليون طن، ناتجة عن مساحة أراضي مزروعة، حوالي 675 ألف هكتار أي بالمجمل معدل انتاج الهكتار في إيطاليا أكثر بحوالي 26 بالمئة، أي أن إنتاج الزيتون السوري يجب أن يكون بحدود 1.5 مليون طن عوضا عن 1.2 مليون طن، علماً أن طبيعة المناخ في سورية مناسب أكثر لزراعة الزيتون من إيطاليا.

أما بالنسبة لنوعية ثمار الزيتون ، فإن الزيتون الإيطالي ينتج حوالي ليتر زيت من كل 5 كغ زيتون ، أما الزيتون السوري فينتج حوالي ليتر زيت من كل 8 كغ زيتون، وبالتالي كمية زيت الزيتون المنتج في سورية لعام 2010 يجب أن يكون 300 ألف طن من زيت الزيتون عوضا عن 135 ألف طن.

كما أن إنتاج ثمار الزيتون وفق اقطاعات أراضي كبيرة يخفض تكاليف الإنتاج ويزيد جودة الإنتاج ، حيث تنخفض تكاليف البنية التحتية من آبار وطرقات ومعدات وتنخفض تكاليف الغراس والأسمدة عند الشراء بكميات كبيرة وتنخفض تكاليف العمالة أيضا، لكن في سورية معظم أراضي إنتاج الزيتون صغيرة وعادة ما يعجز أصحاب الأراضي عن تأمين الأموال لرفع جودة إنتاجه.

كما أن الكثير من المزارعين السوريين تنقصهم الخبرة في طرق الإنتاج العصرية للزيتون وفي اختيار نوعية الغراس المناسبة وطرق التعامل مع الجفاف صيفاً والصقيع شتاءً الذي من الممكن أن يخفض الانتاج الزراعي إلى 40%.

  1. جودة عمليات القطاف و التصنيع والنقل: ما يزال الكثير من الزيتون في إيطاليا يعصر بمعاصر قديمة مثل المعاصر الحجرية وبطرق بدائية، لكن الفارق في إيطاليا هو جودة عمليات قطف ثمار الزيتون التي تحافظ على إنتاجية الشجرة في المحصول القادم وسرعة نقل الزيتون إلى المعاصر وذلك بهدف إنتاج زيت زيتون منخفض الأكسدة ( فرجين) حيث بلغ ثلثي إنتاج زيت الزيتون في إيطاليا من النوع الأول الفرجين بينما في سوريا لا يتجاوز إنتاج زيت الزيتون بنسبة حموضة أقل من 1% عن 10% من إجمالي الزيت المنتج وهذا يؤثر على على قيمة الزيت المنتج وإمكانية التصدير بأسعار جيدة.
  2. جودة شبكات المعلومات والاتصالات: ما تزال الأعمال الخاصة بالزراعة بشكل عام بعيدة عن توظيف الإنترنت و تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في نشر التوعية والإرشاد الزراعي والأخبار الزراعية وأخبار الطقس وتبادل المعلومات في مجال أعمال الزراعة وخاصة الزيتون، التي من الممكن ان تساهم في تخفيض التكاليف على المزراعين وزيادة إيراداتهم و تحسين جودة منتجاتهم.
  3. جودة عمليات التسويق والتصدير: نجحت إيطاليا في إنتاج مجموعة من العلامات التجارية المرموقة في مجال تجارة وصناعة زيت الزيتون، حيث أن علاماتها التجارية تغزو الأسواق والمتاجر العالمية وتقوم ببيع زيت الزيتون بأسعار تصل إلى ثلاثة أضعاف قيمته الحقيقية.

طبعا هذا النجاح لا يعزى فقط إلى جودة العلامات التجارية وإنما إلى الاتفاقات التجارية التي تمتاز بها إيطاليا مع الأسواق العالمية، وهذا لا يمكن أن يتم بدون اهتمام الحكومة الإيطالية في ارساء هذه الاتفاقات التجارية، فبالنتيجة أصبحت السياسة هي التي تخدم الاقتصاد في العديد من دول العالم، ونحن نشاهد الكثير من هذه النماذج لإمبراطوريات متصارعة عالميا لكنه يوجد كم هائل من التبادل التجاري فيما بينها مثل الصين والولايات المتحدة الإمريكية.

  1. إنشاء شبكة علاقات مع الموزعين والمستوردين في العالم:

يعتبر إنشاء علاقات مع الموزعين والمستوردين في العالم أمراً بالغ الأهمية لرفع الجاذبية للمنتجات، وهذا يتطلب تقديم معلومات مبكرة وصحيحة لهؤلاء الموزعين حول كمية الانتاج وجودته ومواعيد تسليمه، والالتزام بمتطلباتهم، إضافة إلى الالتزام بجودة المنتجات، وتقديم وسائل تواصل سهلة للموزعين باستخدام تكنولوجيا المعلومات، ولنجاح هذه الخطوة لا بد من التوظيف الجيد والمدروس لتكنولوجيا المعلومات.

يعتبر عدم الالتزام بهذا العامل، من أهم العوامل التي تجعل التبادل التجاري البيني بين الدول العربية منخفض (دون 10%) وذلك نتيجة عدم وجودة تنسيق بين المعروض والاحتياجات وعدم وجود شبكات علاقات تجارية مدروسة بين الدول العربية.

  1. عادات استهلاك المستهلك المحلي: استهلكت سورية عام 2010 حوالي 100 ألف طن من زيت الزيتون، حيث تعتبر هذه الكمية كبيرة جداً، حيث أنه لم يتبق للتصدير سوى 35 ألف طن فقط! في حين أن هناك زيوت نباتية تتشارك مع زيت الزيتون في الفوائد الصحية مثل زيت عباد الشمس، ومن الممكن أن تضاف إلى سلة المواطن الغذائية مما سينعكس إيجابياً على كمية الصادرات وإيرادات العملة الصعبة.

 

ما هي الحلول؟

 

  1. إنشاء برنامج وطني لتطوير سلاسل توريد الزيتون:

لا يمكن التعامل مع تطوير أعمال الزيتون بدون إنشاء برنامج وطني متخصص له اعتمادات سواء من الحكومة أو المنظمات الدولية المتخصصة في هذا المجال مثل منظمة الفاو، بالإضافة إلى أن هذا البرنامج يجب أن يكون له أهداف واضحة قابلة للقياس ومحددة زمنياً وذلك من خلال خطة وطنية طموحة.

  • إنشاء منظمة غير حكومية لإدارة البرنامج الوطني لتطوير أعمال الزيتون:

حيث أن المنظمات غير الحكومية تتميز عن الجهات الحكومية بالمرونة والحركية والقدرة على استقطاب الخبرات (نظراً لعدم التقيد بقانون العاملين الموحد المحدد الأجور للعاملين مما يحد بشكل كبير من القدرة على الحصول على الكوادر الخبيرة في هذا المجال)، كما تتميز المنظمات غير الحكومية بإمكانية الحصول على التمويل من الجهات الدولية إضافة إلى الاستقلالية عن التطورات السياسية.

  • إعداد سلة المشاريع المطلوبة:

يفترض أن يتضمن البرنامج الوطني سلة من المشاريع، بحيث تهدف هذه المشاريع إلى تطوير مختلف حلقات سلسلة االتوريد الخاصة بأعمال الزيتون ووفقا للأولويات، ومن الجدير بالذكر أن اعتماد واستثمار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يعتبر العمود الفقري لتطوير كافة حلقات سلاسل التوريد.

  • إنشاء منظمة غير حكومية لرصد وتقويم سلاسل توريد الزيتون:

المهمة الأساسية لهذه المنظمة في مراقبة التطور في حلقات سلاسل توريد الزيتون وفق معايير معتمدة واصدار تقارير دورية حول نتائج هذه المراقبة واقتراح الحلول لتحسين الجودة.

 

قد يعتقد البعض أن ما ذكر في هذه المقالة ضربا من الخيال العلمي، لكن في الحقيقة الكثير من الدول بدأت تسير على هذه الخطا ومنها تونس، وفي النهاية ما يشعرنا بالعجز، ليس عدم المقدرة، ولكن احساسنا واقتناعنا بأننا عاجزون…

 

نُشِرت في تنمية, تسويق | أضف تعليق

جودة سلاسل التوريد-الزيتون مثالا

Olive Supply Chain

اعتاد الإنسان العربي على التعامل مع الأحداث بعد حصولها، حتى أنها أصبحت هذه الممارسات جزءا من الموروث الشعبي “لتجي المي بنشرملها” و” ليجي الصبي بنصلي عالنبي” ، كما انعكس هذا الموروث في الممارسات الإدارية فنجد أن معظم الإجراءات الإدارية هي أقرب لما يدعى “مكافحة الحرائق” “Fire Fighting” والتي تعني التعامل مع الأحداث عند وقوعها، حتى أصبحت هذه الإجراءات من المتعارف عليه في الإدارة، فمثلا ليتم تعديل طريق مروري لا بد من أن يحصل العديد من الحوادث والقتلى ، ليتم دراسة وضع إشارة مرور أو تعديل الطريق، إما إجراء عملية التعديل قبل ظهور الخطأ هو عبارة عن ترف وهدر للأموال!

في الحقيقة إن الكثير من المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها الواقع العربي سببها داخلي يتلخص بانخفاض التخطيط والتنظيم والتنسيق ، فمثلا السبب الرئيسي في انخفاض قيمة التجارة البينية العربية ( لا تتجاوز 10% ) ، هو عدم وجود “جودة في سلاسل التوريد” فيما بينها ،إضافة إلى إن عدم وجود سلاسل توريد مدروسة ينعكس في انخفاض العائد على الاستثمار وارتفاع التكاليف وبالنتيجة معدلات نمو متواضعة للقطاعات الانتاجية، ولتوضيح ذلك يمكننا أن نأخذ الزيتون مثالا:

الزيتون في سورية:

بلغ إنتاج سورية من ثمار الزيتون بلغ عام 2008 نحو 800 ألف طن، خصص منها نحو 20 في المئة لتصنيع زيتون المائدة والبقية لاستخلاص زيت الزيتون. بالتالي تكون كمية الزيت المنتجة 135 ألف طن،أي أن قيمة الإنتاج هي بحدود 500 مليون دولار، أما مساحة الأراضي المزروعة فقد بلغت 650.000 هكتار، أما بالنسبة لحجم الصادرات فهو متواضعة و بحدود الربع أي 35 ألف طن من زيت الزيتون.

من جانب آخر ، يختلف حجم إنتاج الزيون من عام لآخر بشكل كبير، والمزراع السوري لا يستفيد من بيع محصوله بقيمته الحقيقية، ولا يوجد زبائن جاهزين للانتاج السوري، كما أن الزيت السوري يباع بشكل صاغ بأسعار رخيصة، ويعاد تعبئته في البلدان المستهلكة وفقا لعلامات تجارية أخرى، وبأسعار مضاعفة ،مما يخفض من العائد على الاستثمار.

إن جميع المشاكل التي تم ذكرها يمكن حلها بمفهوم يدعى زيادة جودة سلاسل التوريد:

مفهوم سلاسل التوريد Supply chain:

هي شبكة تنشأ بين مجموعة من الجهات أو الشركات المعنية بإنتاج و توزيع و بيع منتج معين والتعامل معه مثل سلاسل توريد الزيتون التي تتعامل مع الزيتون وصناعته وتوزيعه وبيع وتصديره.

لإنشاء سلاسل توريد فعالة لا بد من إنشاء روابط قوية مع الأطراف الأساسية في الأسواق الدولية ، وهذا يعني إجراء شراكات تجارية مع هذه الأطراف و إمكانية توفير معلومات مبكرة لهذه الأطراف حول حجم الإنتاج ومواعيده وتوفير أدوات تتيح سهولة التواصل مع هذه الأطراف ، الأمر الذي يتطلب توفر أنظمة معلوماتية لتبادل المعلومات، وبالنتيجة إن توفر هذه المعلومات سوف يتيح للمستثمرين تقدير أفضل لحاجات السوق ويشجعهم على زيادة استثماراتهم مما ينعكس في تخفيض تكاليف الإنتاج. وبالنتيجة سوف تنعكس هذه الإجراءات في زيادة الثقة المتبادلة بين الأطراف الرئيسية مما يساهم في زيادة القدرة التنافسية لسلاسل التوريد وزيادة العائد على الاستثمار للمستثمرين بما فيهم المزارع.

كيف يمكن إنشاء سلاسل توريد فعالة:

إليكم الخطوات الأولية التالية كمثال إنشاء وتطوير سلاسل توريد فعالة:

تحديد الأطراف الرئيسية: يتم تحديد الأطراف الرئيسية الداخل في سلاسل التوريد فبالنسبة للزيتون لدينا المنتج الذي هو المزراع و المعالج الذي من الممكن أن تكون شركات التعبئة ومعاصر الزيتون، أما للأعمال اللوجستية لدينا آليات النقل وشركات الشحن ، أما بالنسبة للموزعين لدينا تجاز الزيوت واتحاد المصدرين.

تعريف سلسلة التوريد: هنا يتم تعريف العلاقات بين الأطراف المختلفة في سلاسل التوريد كما في الشكل المبين أعلاه.

متطلبات الأطراف الرئيسية: هنا يتم تعريف متطلبات كل طرف من الأطراف المشاركة في سلاسل التوريد وهنا نحن بحاجة لدراسة تفصيلية ودقيقة بدءا من المزراعين واحتياجاتهم وانتهاء بالموزعين الرئيسيين. حيث يتم تقييم النضج في تحقيق المتطلبات ، فمثلا على صعيد المتطلبات التقنية يتم تقييم مدى الحاجة للطاقة الكهربائية والأنظمة المعلوماتية والنفاذ للإنترنت والمعلومات وتقييم المتوفر من هذه المتطلبات ويتم وضع خطط لتحسين تأمين هذه المتطلبات.

أما على صعيد الوثائق التجارية وعمليات التصدير فيتم تحديد المتطلبات الضرورية للعمليات التجارية مع الشركاء الرئيسيين وتحسين وتسريع تأمين هذه الوثائق وتخفيضها إن أمكن ومن الممكن هنا الاستفادة من وزارة التجارة الخارجية والكادر الحكومي في تسهيل هذه العمليات.

أم على صعيد الجودة والمعايير فيتم تقييم متطلبات الجودة في مجال زراعة الزيتون وعصره وتغليفه ونقله وتقييم الوضع الحالي ووضع خطط وآليات لرفع هذه المعايير بهدف زيادة التنافسية والانتاج وتخفيض التكاليف.

وهنا لا بد من الإشارة إلى وضع تقييم لكل متطلب أو محور من محاور سلسلة التوريد مثل ( ضعيف –وسط – جيد –جيد جدا) ، ووضع خطط لتحسين هذا التقييم ، عندها لن تكون أخبار الزيتون متعلقة بحجم الانتاج المتغير بدون سبب أو حجم الصادرات الغير محدد نوعيتها أو قيمتها وإنما بتقييم سلسلة التوريد والتطورات التي طرأت عليها ، عندها فقط نسنطيع أن نقول أن لدينا اقتصاد رقمي حديث وقوي ويمكن الاعتماد عليه ، ونشكل هدفا للعديد من البلدان في التعامل الاقتصادي معنا.

يتبع…

نُشِرت في متفرقات | أضف تعليق

دور الجمعيات غير الحكومية في التنمية والإعمار

Cooperation.jpg
الجزء الثاني
المعوقات والحلول

تمتاز معظم الحكومات في الدول النامية بحالة مرضية عامة، حيث أنها تمتنع عن تقديم مؤشرات تنمية بشرية عن حال بلدانها ، كما أنها تتجاهل نتائج هذه المؤشرات التي تقدمها منظمات متخصصة مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة الشفافية العالمية ، وقد يصل بها الحال إلى حجب المواقع الإلكترونية لهذه المنظمات، ومن جانب آخر ترفض الاعتراف عن وجود عجز حكومي في معالجة قضايا التنمية وتقاوم أي محاولة من قبل أي جهة لتقديم المساعدة مثل المنظمات غير الحكومية أو مؤسسات المجتمع المدني بحجة تهديد السيادة أو إنكار وجود مثل هذا العجز أصلا.
مما يؤكد هذه الرؤية هو قوانين تنظيم المنظمات غير الحكومية في هذه الدول، حيث نجد أن هذه القوانين وضعت للحد من نشاطها، وغالبا ما يتم تحسين بعض ظروف نشاطها نتيجة ضغوط دولية خارجية حيث يتم مراجعة بعض القوانين الخاصة بتنظيمها أو التغاضي عن نشاطها دون تغيير القوانيين، وكثيرا ما تسمى هذه المنظمات رسميا باسم “الجمعيات الأهلية” وذلك للتقليل من شأنها ودورها حيث توحي هذه التسمية إلى أنها نوع من التعاون الشعبي الذي يقوم به الأهالي لحل المشكلات الأهلية التي يعاني منها أحد الأحياء أو المناطق في حين أنه من المفترض ان تتمتع بكيان حقيقي وشخصية اعتبارية واستقلالية ويفترض أن يعول عليها دورا أساسيا في التنمية الملحة في العالم العربي.
نظرة إلى الواقع الحالي في الدول العربية:
قدمت الحكومات العربية مؤشرات تنمية بشرية متواضعة سواء بالنسبة لإمكاناتها الاقتصادية أو على مستوى العدالة بين الجنسين أو تبعا للمناطق الجغرافية في نفس البلد حيث تنخفض المؤشرات بشدة بالنسبة للمرأة مثلا أو في المناطق البعيدة عن المدن الكبيرة ،فقد بلغ مقياس تمكين المرأة في دليل مؤشرات التنمية البشرية الصادر عن البنك الدولي لعام 2006 في السعودية 0.242 بترتيب 74 عالميا بينما بلغ المؤشر 0.58 وترتيب 39 عالميا في دولة فقيرة مثل البيرو، أما في مصر فقد بلغ 0.262 وترتيب 73 عالميا.
كما أن الدول النامية الغنية تظهر مؤشرات تنمية بشرية أقل من دول تعتبر فقيرة بمواردها فبالنسبة لمعدل الإلتحاق بالمدارسة الثانوية في المملكة العربية السعودية فقد بلغ 52% بينما بلغ في الأردن 81% وفي سورية 58%.
أما بالنسبة لدليل الفقر البشري الصادر في تقرير التنمية البشرية من قبل البنك الدولي لعام 2009، فقد بلغ في المملكة العربية السعودية 12.1 وبترتيب 53 عالميا وبلغ في الأردن 6.6 وبترتيب 29 عالميا وبلغ 12.6 وبتريب 56 عالميا في سورية.
معوقات نشاط وازدهار المنظمات غير الحكومية:
يعتبر الجانب القانوني هو العامل الأكبر الذي يعيق نشاط المنظمات غير الحكومية في الدول النامية، حيث غالبا ما يتم التعامل مع المنظمات غير الحكومية كتهديد محتمل لوظيفة الدولة ومفهوم السيادة حيث يتم تقييد نشاط هذه المنظمات من خلال القانون من خلال عدة جوانب:
• الفترة التي تحتاجها المنظمة لللترخيص غير محددة زمنيا:
كما في سورية ،أما في السعودية فإن إنشاء مثل هذا المنظمات يحتاج إلى مرسوم ملكي ، ويوجد في المقابل فترة زمنية محددة (30-60 يوم) مثل الجزائر والأدرن والمغرب ومصر حيث يعتبر المنظمة مرخصة في حال عدم رد الجهة المختصة خلال هذه المدة.
• إلغاء ترخيص نشاط المنظمة دون الرجوع للقضاء:
يكفي لحل المنظمة إصدار قرار من الجهة التنفيذية المختصة سواء كانت وزارة الداخلية أو وزارة الشؤون الاجتماعية ،كما في مصر حيث يتم ايقاف نشاط المنظمة دون اللجوء للقضاء مع الاحتفاظ بحق المنظمة في الاستئناف عبر القضاء والذي قد يتطلب سنوات للحصول على قرار استئناف نشاط عمل المنظمة بدون تعويضات، أما في سورية والأردن والمغرب فيمتلك وزير الشؤون الاجتماعية الحق في ايقاف نشاط الجمعية الأهلية دون إبداء الأسباب كما يمتلك القدرة على حل مجلس إدارة الجمعية وتعيين رئيس جمعية جديد من قبله أو مجلس إدارة مؤقت، وفي العراق أيضا تمتلك الحكومة الحق في إلغاء ترخيص الجمعيات دون اللجوء للقضاء مع عدم القدرة على الاستئناف.
• لائحة النشاطات غير المسموحة غير واضحة:
اللائحة التي تحدد النشاطات الغير مسموحة للمنظمات في القوانين التي تصدرها الحكومات لتنظيم نشاط الجمعيات والتي تستوجب حل هذه المنظمات غير واضحة وتحتمل التأويل وهي خاضعة لوجهة نظر السلطة التنفيذية ، كما أن قضايا الاصلاح السياسي ممنوعة في كافة الدول العربية مثل موضوع مكافحة الفساد ومراقبة النشاطات الحزبية أو المشاركة بها.
• العقوبات القاسية:
كثيرا ما تنص قوانين تنظيم المنظمات غير الحكومية على عقوبة السجن التي قد تصل إلى السجن لمدة 5 سنوات كما في المغرب في حال مخالفة قوانين تنظيمها، وغالبا ما يتم تطبيق العقوبة دون إمكانية الاستئناف أو اللجوء للقضاء.
• عدم استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية:
مثلا عملية استصدار قرار قضائي بحل الجمعية في الجزائر من قبل وزارة الداخلية تتم بشكل روتيني وسلسل وبسهولة كبيرة دون الحاجة لوثائق أو مستندات تذكر.
• الاستقلال الذاتي:
لا تتمتع المنظمات غير الحكومية بالاستقلال الذاتي حيث تمتلك الجهات الحكومية المشرفة الحق في ارسال مندوبين لحضور أو مراقبة أي اجتماعات أو انتخابات أو إلغاء نتائجها.
• التمويل الخارجي:
معظم القوانين العربية تفرض قيودا وتشترط موافقة مسبقة في حال رغبة المنظمات غير الحكومية في الحصول على تمويل خارجي، مما يحد بشكل كبير من حجم ونوعية نشاطها.
• غياب المحاكم المتخصصة بنشاط المنظمات غير الحكومية:
لا يوجد محاكم خاصة بهذه النوع من النشاطات كما أن القوانين الخاصة بها غير واضحة وتحتمل التأويل ويعود تأويلها للقاضي ، إضافة إلى أن القضاة غير مدربين على هذا النوع من القضايا.

ومن الجدير بالذكر أن دولة عربية جيدة من حيث نشاط المجتمع المدني مثل لبنان لا تمتلك قانون حديث للمنظمات غير الحكومية ، حيث تخضع المنظمات غير الحكومية اللبنانية لقانون الجمعيات العثماني الصادر عام 1909وهو قانون سبق ظهور الشرق الأوسط الحديث وحتى الدستور اللبناني الذي صدر عام 73 1926 . ينطوي القانون على مفارقات تاريخية كثيرة، ويشير بشكل متكرر إلى سلطات ووزارات الإمبراطورية العثمانية التي لم تعد موجودة!

في النتيجة وبعد مراجعة هذه القوانين نجد أن معظم الحكومات تتعامل مع المنظمات غير الحكومية على أساس أنها شرا لا بد منه فرضه المجتمع الدولي و التقيد الظاهري بمفاهيم الحداثة، وإضافة إلى ذلك، كثيرا ما تتمتع المنظمات غير الحكومية الخارجية بظروف نشاط أفضل من المنظمات المحلية ، مدعومة بذلك من المجتمع الدولي.

الجانب الآخر الذي تعاني منه المنظمات غير الحكومية هو الجانب التنظيمي حيث تحتاج هذه المنظمات إلى خبراء في مجال تنظيم وإدارة الأعمال ودورات تدريبية معيارية لتدريب الكوادر والرفع من جودة العمل ، لكن يعتبر هذا العامل سهل التعامل معه نوعا ما ومن الممكن تجاوزه بسهولة بالمقارنة مع الجانب القانوني.
كيف يمكن انتقال الحكومات من حالة ضبط وتقييد الجمعيات غير الحكومية إلى حالة الرعاية:
من المسلم به أن ازدياد احتياجات المجتمعات التنموية الحديثة جعل من الصعوبة على الحكومات تأمين هذه المتطلبات أو الحفاظ على جودتها، مما جعل الاعتماد على المنظمات غير الحكومية أمرا ملحا وخاصة في حالة الدول التي تعاني من أزمات وكوارث، لكن المحاذير التي تأخذها الحكومات هو كيف يمكن جعل هذه المنظمات تعمل بشكل مفيد ومتساير مع رؤية الحكومات؟
في الواقع هذا السؤال يحتاج إلى إجابتين: الأولى هو أنه ليس من الضروري أن تكون الحكومات على دراية كاملة باحتياجات المجتمعات وخاصة في المناطق المهملة أو التي تحظى بأولويات حكومية منخفضة وبالتالي ليس من الضروري أن تلتزم المنظمات غير الحكومية بكامل الإرشادات الحكومية ، ومن هنا يأتي دور هذه المنظمات في تنشيط التنمية في هذه المناطق من جهة وتنبيه الحكومة حول واجبها من جهة أخرى.
أما الإجابة الثانية فهي أن الحكومة تمتلك قدرة كبيرة على ارشاد نشاط هذه المنظمات من خلال الرعاية، فمثلا في حال أنها ترغب في إنشاء مدارس في مناطق نائية لكنها لا تمتلك التمويل اللازم ، فيكفي عندها أن تقدم الأرض للمشروع وتتيح للمنظمات غير الحكومية البحث عن التمويل اللازم لإنشاء هذه المدرسة ، وإذا نظرنا إلى الموضوع بصورة أوسع من الممكن أن تقدم الحكومة مساعدات مالية للمنظمات غير الحكومية التي تمارس نشاطات تنطبق مع خططها التنموية في مناطق معينة ، وبالتالي ستساهم في إرشاد هذه المنظمات على العمل بالتوازي مع الأهداف الحكومية.
من جهة أخرى إن رعاية المنظمات غير الحكومية وتشجيعها يساهم في تأمين فرص عمل للعاطلين، فعلى سبيل المثال بلغ عدد العاملين في المنظمات غير الحكومية بدوام كامل عام 1999 في مصر 630 ألف عامل ووصلت نفقات المنظمات غير الحكومية 1.5 مليار دولار، مما يعطي فكرة عن الدور الذي يمكن أن تمارسه في التنمية.
في النهاية إن حجم الأزمات التي تعاني منها المنطقة العربية وخاصة سورية الحبيبة، يحتم عليها التفكير بطريقة جدية وخلاقة وجريئة تتيح لها الاستفادة القصوى من الموارد البشرية والإمكانات المتاحة والاستفادة من تجارب دول ذات خبرة في هذا المجال، وفي النهاية يبقى الدور الحكومي هو الأساس في نجاح هذه التجربة، والخوف من الممارسات الجديدة بحجة الخشية من الخطأ وتحمل المسؤولية لن يسبب إلا مزيدا من الأزمات والمشاكل…

نُشِرت في متفرقات | أضف تعليق

دور الجمعيات غير الحكومية NGO في التنمية والإعمار

community-cooperation

الجزء الأول

مع انهيار المنظومة الشيوعية وسقوط مفهوم الدولة الراعية والقائدة لكافة نواحي النشاط المجتمعي ، بدأت الحكومات عبر العالم تولي دورا أكبر للمنظمات غير الحكومية في المساهمة في التنمية ، ومما عمَّق هذا التوجه هو ازدياد حجم متطلبات المجتمع واحتياجاته نتيجة التطور البشري والمجتمعي حيث ازدادت الاحتياجات المجتمعية في مجال التعليم ومحو الأمية والتنمية الاجتماعية والمجتمعية وحماية حقوق المرأة والطفل ونشر المعلوماتية و مكافحة الفقر والعنف الأسري والبغاء وتنمية المناطق النائية والريفية ورعاية الاقتصاد الأسري وغيرها.

ماهي المنظمات غير الحكومية:

المنظمات غير الحكومية Non-Governmental Organization: هي منظمات ذات مصلحة عامة وهي لا تخضع لحكومة ولا لمؤسسة دولية. ولا يمنع ذلك أن تتعاون أو تتلقى مساعدات وتمويلات من الحكومات. ولكنها تُأسس وتنشط دون رقابة من الحكومات الوطنية، و تكون هذه المنظمات أحياناً منظمات متخصصة، حيث تركز على مجالات بعينها، مثل: الرعاية الصحية، أو الزراعة، أو جهود الإغاثة في حالات الطوارئ، أو البيئة، أو التعليم، أو تنمية المجتمعات المحلية، أو إقراض المشاريه الصغيرة، أو مزيج من هذه المجالات.

من ناحية أخرى يتوجب على المنظمات غير الحكومية أن تحافظ على استقلاليتها ليس إزاء الحكومات فقط وإنما إزاء القطاع الخاص التقليدي، وعلى الارتباط بالمجتمع المدني.

 أهمية المنظمات غير الحكومية:

  • المرونة والمقدرة والتأثير:

تتميز المنظمات غير الحكومية بقدر كبير من المرونة بالمقارنة مع القطاع الحكومي فهي أسرع في التحرك والتنفيذ من الجهات الحكومية نتيجة عدم وجود الروتين والطبقات الإدارية البيروقراطية الضخمة الموجودة في القطاع الحكومي كما أنها تتميز بالقدرة على التكيف بسرعة كبيرة مع المتطلبات المتغيرة والظروف المحيطة حيث انها غالبا ما تستعين بالكوادر المحلية عندما تمارس نشاطاتها، من ناحية أخرى تمتلك المنظمات غير الحكومية عادة القدرة على التأثير السريع في حياة السكان نتيجة توظيفها السكان المحليين في العمل والاستفادة من خبراتهم وتوظيفها السريع للبيئة الثقافية والعلاقات الاجتماعية في خدمة مهامها، وأخيراً تتميز هذه المنظمات بالقدرة على العمل في المجالات غير مختبرة أو ظروف غير مناسبة أو التي تتضمن مخاطر عالية.

  • دور المنظمات غير الحكومية في عملية الإعمار وتحقيق التنمية المتوازنة:

قد يتسائل البعض عن أهمية المنظمات الحكومية خلال عملية الإعمار، حيث أنه من المفترض أن يضع القطاع الحكومي خطة متكاملة للأعمار ومن ثم يتم تأمين الأموال من الجهات المستثمرة ويقوم بالتنفيذ بنفسه أو من خلال التعهيد لجهات متخصصة في مجال الإعمار والتعليم والصحة وغيرها.

قد يكون هذا الطرح جميلا من الناحية النظرية لكن من الناحية الفعلية سنجد أن هناك أولويات وهذه الأولويات تُفرض على القطاع الحكومي لاعتبارات مختلفة، حيث تزداد الأولويات تبعا للمنطقة الجغرافية كالقرب من المراكز السكانية الرئيسية (العاصمة مثلا) أو الأهمية الاقتصادية للمنطقة، حيث أن الجهات المستثمرة سيسيل لعابها للاستثمار في المناطق التي تتمتع بعائد استثماري كبير مثل الداون تاون (مركز المدينة) والمطارات والموانئ الرئيسية ومحطات الطاقة و مصافي و آبار النفط والغاز ، وستحظى في النهاية المناطق النائية والفقيرة بالأولوية الأدنى، وهنا يأتي دور المنظمات غير الحكومية حيث يقوم السكان في هذه المناطق بتأسيس المنظمات التي تخدم حاجاتهم التنموية والتعاون مع الجهات ذات الخبرة والجهات الممولة في تحقيق احتياجاتهم.

  • تخفيض العبئ الحكومي:

كما ذكرنا سابقا ، مع التطور الفكري والاجتماعي والتقني، ازداد متطلبات المجتمع ورغباته بحيث أصبح من العسير على القطاع الحكومي تأمين هذه المتطلبات وبشكل متوازن بين قطاعات المجتمع المختلفة وعلى مستوى التوزع الجغرافي ، وأصبح من الملح على القطاع الحكومي إيجاد وسائل مساعدة في تحقيق هذه المتطلبات، وهنا يأتي دور المنظمات غير الحكومية في ملئ الفجوات التي يتركها القطاع الحكومي في مجال التنمية.

  • ضبط الحراك الاجتماعي:

مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي و التطور التكنولوجي ازدادات مقدرة الفرد واحساسه باهميته بالمقارنة مع العصور السابقة، حيث انخفض اعتمادية المواطن على الحكومة في مجالات الاتصال والتواصل وانخفضت بالمقابلة مقدرة الحكومة على مراقبة المواطنين وتوجيههم، فبعد أن كان هناك محطة إذاعية او مرئية واحدة يتابع فيها المواطنين الأخبار على سبيل المثال أصبح هناك آلاف المحطات والوسائل.

كل هذه العوامل ساهمت في ازدياد نشاط الطبقات الاجتماعية ورغبتها في التغيير والتأثير وخاصة طبقة الشباب ومتوسطي الدخل (الطبقة البرجوازية) وهذا ما يدعى بالحراك الاجتماعي.

تعتبر المنظمات غير الحكومية من أفضل الحلول التي تستخدم لضبط الحراك الاجتماعي وتحويل من حراك فوضوي وغوغائي إلى نشاط إيجابي لخدمة المجتمع حيث يفرغ الشباب طاقاتهم بشكل إيجابي في خدمة مجتمعهم وتحسين خدماته.

لقد تنبهت الكثير من الدول لدور المنظمات غير الحكومية لضبط الحراك الاجتماعي مؤخرا، حيث اعتمدت الحكومة الصينية على تنمية وتمويل المنظمات غير الحكومية بشكل سريع لضبط الحراك الاجتماعي وتحقيق التنمية الاجتماعية المتوازنة، حيث ارتفع عدد المنظمات غير الحكومية المرخصة من 500 ألف إلى مليون منظمة خلال عام واحد (2014-2015) إضافة إلى وجود مليون ونصف منظمة أخرى غير مرخصة ويتم التجاوز عن نشاطها، أما في الهند فقد بلغ عدد المنظمات غير الحكومية مليوني منظمة وفي بريطانيا 170 ألفا وفي روسيا 270 ألفا.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا ما يزال دور المنظمات غير الحكومية متواضعا في منطقتنا؟ وما الذي سيضمن أن هذه المنظمات غير الحكومية ستمارس دورها بما يخدم التوجهات الحكومية والمجتمعية؟ …يتبع.

نُشِرت في تنمية | أضف تعليق

إصلاح القطاع العام في البلدان النامية-الجزء الرابع

eGov UK

أضواء على التجربة البريطانية

الكاتب:عبد الحميد القتلان

           محمد غياث العلبي

قد يكون أهم سبب للحيوية والإزدهار الاقتصادي في أي بلد هو مدى فعالية وكفاءة القطاع الحكومي لديه، فالقطاع الحكومي ليس كما يعتقد البعض أو يراه، خاصة في بلداننا النامية بأنه يقوم بتسجيل طفل عند والولادة أو لديه مخفر شرطة راكد في طرف الحي، أو تذهب إلى إحدى مشافيه الحكومية عند المرض الشديد للحصول على خدمات صحية قد لا تفي بالغرض.

القطاع العام أهم من ذلك، يجب أن يقدم كافة الخدمات المدنية بالشكل المقبول من الناخبين والتي تمتد من الخدمات القضائية والتعليمية والصحية والأمنية والإجتماعية وبالإضافة إلى ذلك يجب أن يقوم برعاية النشاط الاقتصادي عبر التشريعات والقوانين مثل مكافحة الفساد ومنع الاحتكار وتكافؤ الفرص والانضمام إلى الاتفاقيات الاقتصادية العالمية والإقليمية وانضاج الخبرة الصناعية والتجارية والاقتصادية عبر مراكز التعليم والتأهيل المتخصصة والاتفاقيات مع الدول ذات الخبرة في هذا المجال.

بالمقابل لا يوجد في العالم، قطاع عام ناجح يقوم بمهامه وقطاع آخر فاشل، بل يوجد قطاع عام لديه رؤية وأهداف وآليات للرصد والتقويم وخطط للاصلاح وإعادة الهيكلة بشكل مستمر و آخر في حالة ركود يصل في نهايته إلى عجزه عن القيام بمهامه الأساسية مما يسبب الإضرابات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية.

القطاع العام البريطاني هو خير مثال عن هذه الحالة الحيوية حيث تعتبر التشريعات التي أصدرتها الحكومات البريطانية من آوائل التشريعات التي تم تقليدها عبر العالم ، مثل حق التصويت للطبقة الوسطى عام 1832 وحق التصويت للفلاحين الفقراء عام 1884, لكن التغيير الأهم الذي قدمته الحكومات البريطانية هو في عام 1854 حيث تم وضع أول نظام في العالم لتقييم موظفي القطاع العام على أساس الجدارة في الاختصاص المطلوب والذي سمح بالقضاء على المحسوبية في التوظيف لاحقا.

من ناحية أخرى القطاع العام البريطاني لم يتعرض لانهيار وإعادة تشكيل كامل  كما حدث لمثيلاته في دول أوربة إبان الحرب العالمية الثانية، كما أنه ما يزال يقدم طيف واسع من الخدمات الحكومية من تعليم أساسي وخدمات صحية واجتماعية وأمنية ومواصلات وغيرها.

كما بلغ  عدد موظفي القطاع العام في المملكة المتحدة عام 2012 حوالي 6 ملايين عامل أي ما يقارب 20%  من حجم العمالة وهذه النسبة تقارب مثيلها في الدول النامية مثل سورية، مما يجعل تسليط الضوء عن مدى نشاط القطاع العام البريطاني مناسب للمقارنة، وبناء عليه نستعرض أهم ملامح اصلاح القطاع العام في المملكة المتحدة:

تقرير لجنة فولتون:

بعد الحرب العالمية الثانية ونتيجة تنامي الحاجة للتغيير، قدم اللورد فولتون تقريره للحكومة البريطانية عام 1968 حيث أظهر فيه بأن الإداريون غير مؤهلين بما فيه الكفاية ويفتقدون نوعا ما للمهارات الإدارية وضرورة تفعيل دور الخبراء العلميين والتقنيين وجعله أكثر واقعية، وجعل نظام الترفيع أكثر مرونة، واستقطاب الطبقات الدنيا ليكون لها دور فاعل في الخدمة المدنية بالإضافة إلى إجراء جملة من تغييرات الإدارية، حيث قامت حكومة حزب العمال عام 1969 بإنشاء قسم خاص للخدمة المدنية بناء على توصيات فولتون.

السؤال الذي يطرح نفسه، هل تمتلك برلمانات الدول النامية من خلال ممثليها, القدرة على تقييم النشاط الحكومي ووضع رؤية متكاملة لمستقبله؟ وكيف يمكن تطويرها لتقوم بهذا الدور؟ في الواقع الإجابة على هذا السؤال كفيلة بحل معظم معوقات الدول النامية.

حكومة مارغريت تاتشر:

بدأت حكومة رئيسة الوزارة البريطانية مارغريت تاتشر منذ عام 1979 بإدخال مفاهيم القطاع الخاص والسوق الحر إلى آلية ونمط  نشاط القطاع العام، من حيث زيادة الفعالية وتقليص الحجم والنفقات، وقامت بتعيين المدير التنفيذي المؤسس لشركة “مارك اند سبنسر”  السيد “ديرك راينر” كخبير كفاءة لصالح مجلس الوزراء، حيث عرف مجموعة من المشاكل الأساسية التي يعاني منها القطاع العام ومن بينها عدم الإنفاق بالشكل المناسب على ما يجب أن يقدمه القطاع العام من خدمات وضياع الاعتمادات على نشاطات غير أساسية، كما تم إجراء إعادة هيكلة لقسم الخدمة المدنية وإتباعه لرئاسة مجلس الوزراء، كما قامت بإعداد فاعليات خاصة بالتخطيط وتطوير الأعمال في الوزارات حيث تم التركيز على الكفاءة والأهداف ، وتم اعتماد مبدأ الدفع بناء على الأداء  Performance-related pay لتنشيط أداء القطاع العام وذلك منذ عام 1984.

من المثير للاهتمام هو الاستفادة من خبراء الأعمال في القطاع الخاص وتوظيفهم لتطوير القطاع العام ، في المقابل ما يزال لدينا في بلادنا تلك النظرة الشبه عدائية بين القطاعين والتي يغذيها التاريخ المعاصر للصراع  السياسي والإجتماعي في منطقتنا، كما أن تعيين وزيرا من خارج بيئة القطاع العام يعتبر أمرا نادر الحدوث وغالبا ما ينتهي بشكل فاشل تماما نتيجة غياب الدعم الكافي لهذه التجارب ومقاومة التغيير.

استراتيجية الخطوات التالية The Next Steps:

قام رئيس وحدة الكفاءة في الحكومة البريطانية “روبن إيب” بإعداد تقريره عام 1988 بعنوان “تحسين الإدارة في الحكومة، الخطوات التالية” ، حيث تم تقسيم الأهداف الرئيسية إلى سلسلة من الأهداف المرحلية الواضحة والمرتبطة بمسؤوليات واضحة للأشخاص المنفذين لهذه الأهداف ، إضافة إلى إنشاء وكالات تنفيذية ونقل بعض الوظائف الإدارية من الوزراء إليها مع وضع إطار واضح لعملها ومسؤولياتها وتحميل المدراء التنفيذيون مسؤولياتهم  أمام البرلمان لتحقيق الأداء المطلوب، وهذا ما يدعى باللامركزية في السلطة والمسؤولية من خلال أعطاء الصلاحيات للمستويات الإدارية الدنيا، والفصل بين السياسة وتقديم الخدمات.

لقد استغرق تطبيق هذه الاستراتيجية بالشكل المقبول عدة سنوات لكن قدمت نتائج مرضية حول محاكاة النشاط الحكومي للقطاع الخاص من حيث الكفاءة والجودة.

طبعا هذه الاستراتيجية مطبقة في شركات خاصة عملاقة مثل مايكروسوفت وتدرس في كتب الإدارة.

غالبا ما يشار إلى هذه التغييرات بمفهوم الإدارة العامة الجديدة New Public Management ، حيث تهدف إلى  تغيير الثقافة التنظيمية،تحسين الجودة، الاستجابة للعملاء( حيث يعامل المواطن كزبون)، وممارسة المشاركة الإدارية، الاتجاه نحو آلية السوق، واستخدام الموارد بأسلوب يتميز بالكفاءة والفاعلية.

طبعا درج مفهوم الإدارة بالأهداف الذي يعتبر أحد جوانب هذه الاستراتيجية في البلدان النامية في العقد الماضي، حيث تم تقديم كم هائل من الندوات والدورات التدريبية والمؤتمرات حول هذا المفهوم ،والإنفاق على تكاليف السفر ورسوم الإشتراك بمؤتمرات وورشات حول العالم لصالح موظفي القطاع العام، بهدف تأهيلهم وتدريبهم لكن بدون نتائج تذكر، وذلك بسبب غياب استراتيجية وأهداف وآليات مراقبة وتقييم حكومية  للتغيير وعدم الرغبة بالتغيير(راجع الجزء الأول).

طبعا تلاشى الاهتمام بهذه الموضة فيما بعد، وتم الترويج إلى فشل هذا المنهج في العالم ، إلا أنه ما تم هو عدم تحقيق الأهداف المطلوبة مثل مفهوم التنافسية و التحفيز إضافة إلى ظهور تعقيدات إدارية تتعلق بكيفية عمل الوكالات المختلفة للتشارك في تقديم الخدمات وعدم فعالية بعض العقود المصدرة للتنفيذ من قبل القطاع الخاص مما سبب الإنتقال إلى مفهوم جديد ويدعى الحكومة الرقمية.

حكومة جون ميجر وميثاق المواطن:

قامت حكومة جون ميجر بإصدار ميثاق المواطن  The Citizen’s Charter عام 1998، والذي يهدف إلى تحسين نوعية الخدمات المقدمة للمواطن وهو عبارة عن وثيقة تتضمن مجموعة المعايير التي يجب أن تتوفر لكل نوع من الخدمات التي تقدم للمواطنين ، بحيث يتم اتخاذ إجراءات أو تقديم تعويضات معينة للمواطن في حال عدم تحقيقها.

تم تعميم هذا الميثاق في معظم دول العالم حيث تم إنشاء ميثاق للمواطن في العديد من الدول منها كندا واستراليا والهند وجنوب إفريقيا وماليزيا ونيوزلاندة وغيرها.

الحكومة الرقمية (الإلكترونية):

بدأت الحكومة البريطانية منذ عام 2000 ، بتبني استخدام تكنولوجیا المعلومات والاتصالات لتحسین أسلوب أداء الخدمات الحكومیة  وهو ما يدعى بالحكومة الإلكترونية بهدف تقديمها للمواطن بطریقة سهلة عبر شبكة الانترنت مما یوفر الكثیر من الجهد والمال لها وينعكس بانخفاض كلفة وأداء الخدمة ، وقد حققت المملكة المتحدة معايير نضج متميزة في تطبيق الحكومة الإلكترونية على مستوى الاتحاد الاوربي وذلك في كل من مجالات التقييم التالية:

  1. زيادة فعالية (جودة عمل) الحكومة.
  2. زيادة كفاءة (سرعة تنفيذ) الحكومة.
  3. الشفافية.
  4. التركيز على حاجات المستخدم ورغباته في تقديم الخدمات.
  5. تمكين الأطراف لاستخدام الحكومة الإلكترونية.
  6. دعم حركية المواطنين.
  7. دعم حركية الأعمال.

من الضروري الإشارة إلى أن الإنجازات التي تمت خلال مراحل تطور القطاع العام البريطاني لا تخلو من أخطاء وعقبات، لكن المهم هو القدرة على الاعتراف بهذه الأخطاءو تصحيحها ومراجعتها من جهة والبنية الصحية للحكومة المتمثل بالسلطات السياسية والقضائية والتنفيذية، الأمر الذي جعل تجارب الحكومة البريطانية تشكل مرجع للعديد من الحكومات في العالم.

في النهاية لا بد من الإشارة إلى أن القطاع العام في سورية الحبيبة ما يزال يقدم خدماته الأساسية على الرغم من الظروف القاسية، وفي حين عجز القطاع العام في دول مجاورة عن تقديم أبسط الخدمات، مما يدل على قدرة هذا القطاع على العمل وتكيفه ، ومن جهة أخرى فإنه إجراء الإصلاحات في القطاع العام لن تحتاج لهذا الوقت والجهد الكبير المبين في التجربة البريطانية ، حيث أن الاستفادة من تجارب دول أخرى سبقتنا في هذا المجال ستساهم في ردم الفجوة بشكل أسرع وأبسط وبتكاليف أقل.

نُشِرت في تنمية | أضف تعليق

إصلاح القطاع العام في البلدان النامية-الجزء الثالث

ppp

مشكلة فائض العمالة-الحلول

الكاتب: محمد غياث العلبي

قد يتساءل البعض، هل من المجدي الكتابة في مواضيع إصلاح وتنمية في هذه الظروف؟ فهي أشبه بعازفة البيانو الذي ذكرها الفنان زياد الرحباني في برنامجه الشهير “العقل زينة”، فتاة تعزف البيانو ومنفصلة عن الواقع المؤلم التي يحيط بها ومنشغلة فقط بالعزف على البيانو!

الكثير يتحدث عن سورية بأنها أصبحت دولة فاشلة مشرزمة طائفيا، تاريخها يتلاشى ولا مستقبل لها…في وجه هؤلاء نحاول أن نضيئ شمعة ونقول لهم كما قال نزار قباني: ” محالٌ أن ينتهي الليمون…”.

بالعودة إلى الموضوع الأساسي، يمكن طرح الحلول لمشكلة فائض العمالة ضمن النقاط التالية:

موازنة النشاط الحكومي:

في الواقع الحديث أن وجود فائض في العمالة في القطاع العام غير دقيق ، حيث أن هناك قطاعات حكومية تعاني من نقص في العمالة مثل قطاع التعليم حيث يبلغ عدد الطلاب في بعض الصفوف 60 طالبا!

أيضا هناك نقطة أخرى وهي أن القطاعات الحكومية غير متوازنة من حيث حجم النشاط التي يجب أن تقدمه والاعتمادات المرصودة فعلا لذلك، حيث نجد قطاعات حكومية من المفترض أن تمارس دورها بطريقة خدمية وتقديم رعاية مثل قطاع الصناعة حيث أن عملية التصنيع التي يقوم بها القطاع العام مكلفة للغاية و تسبب الكثير من الخسائر ، في حين أنه من الأفضل أن يتركز الجهد الحكومي هنا في مجال تقديم الخدمات للصناعيين بكفائة وجودة عالية ورعاية بيئة وآليات النشاط الصناعي من خلال تطوير المدن الصناعية وتطوير القوانين وتسهيل الاستثمار والإقراض ونشر الخبرات والمعرفة والمراكز البحثية والتدريب والتأهيل والتعاون مع الدول الخبيرة في هذا المجال.

ومن جهة أخرى هناك قطاعات عانت من ضمور في نشاطها بدون سبب مقنع، مثل قطاع التعليم و المواصلات البرية والبحرية والجوية ، حيث أن تجربة هذا القطاع في دول عريقة في مجال القطاع العام مثل بريطانية كانت ناجحة و مجدية على الرغم من كونها دولة رأسمالية!

كما أن النشاط الحكومي بدأ يتضمن نشاطات رئيسية مرتبطة بتكنولوجيا المعلومات مثل الحُكُومة الإلكترونية والحَوكَمة الإلكترونية  والتي تحتاج إلى جيش من مدخلي البيانات وكوادر الدعم وموظفي مراكز خدمة المواطنين، حيث أن موضوع تقديم الخدمات الحكومية بجودة وكفاءة عالية من أولويات أهداف الحكومات في العالم، فمثلا زيادة جودة الخدمات الحكومية يتطلب إعداد وتخديم عدد كبير من مراكز خدمة الموطنين لتشمل كل حي ، وهذا سيستهلك عدد كبير من العمالة الفائضة بشكل إيجابي وبناء في المرحلة المقبلة.

بالتالي إن عملية إعادة تخصيص العمالة عبر نقلهم بطريقة منهجية تقوم على تدريب وتأهيل واختبار وتقييم ومكافئات انتقال(حيث من الممكن تقديم مكافئات سخية للأفراد الذين ينجحون في الانتقال من قطاع لآخر وفقا للخطة الحكومية) يعتبر حلا ناجعا ومفيدا للتخلص من فائض العمال من جهة وموازنة النشاط الحكومي من جهة أخرى.

دور القطاع المشترك:

عانى القطاع الخاص خلال فترة الأزمة من خسائر هائلة في منشآته الاقتصادية وموجوداتها وعمالتها حيث أضطر الكثير من الصناعيين إلى نقل استثماراتهم إلى خارج البلد ، كم تسببت الأزمة في ضياع رأس المال التشغيلي للعديد منهم وانخفاض تصنيفهم الائتماني الذي يتيح لهم الاقتراض لتمويل مشاريعهم.

إن ضياع قدرة هؤلاء الصناعيين والمستثمرين السوريين في الاستثمار والمشاركة في النمو الاقتصادي سيضعف حتما السيادة السورية لصالح مستثمرين عرب وأجانب وسيضعف الدخل الوطني، كما أن هؤلاء الصناعين لديهم خبرة في الانتاج والتصنيع والاستثمار وجني الأرباح ولديهم أيضا خبرة في السوق السورية إمكانيات التصريف والسوق الإقليمية واستثمار الفرص.

قد يكون أفضل حل لهذه المعضلة هو تنشيط دور ومساهمة القطاع المشترك وذلك عبر بناء شراكات بين القطاع العام والخبرات الاقتصادية الوطنية السورية حيث من الممكن أن يقدم القطاع الحكومي الأرض والتسهيلات المصرفية وضمانات القروض والاعفاء الضريبي، ويقدم القطاع الخاص خبرته في مجال الاستثمار والتنمية، شرط التأكد من عدالة التعاقد وضمان تحقيق استثمار حقيقي وتنمية ايجابية تتساير مع الأهداف الحكومية من حيث القطاعات الاقتصادية والمناطق الجغرافية.

كما أن طرح جزء من أسهم هذه الشراكات للاكتتاب العام سيتيح تقديم تمويل إضافي من جهة ومراقبة للنشاط الاقتصادي من طرف آخر من جهة أخرى ، وسينشط النشاط الاستثماري في البلد بعيدا عن القطاع التقليدي للاستثمار والمتمثل بقطاع العقارات.

والنقطة الجديرة بالاعتبار في هذا التوجه هو إمكانية إلزام القطاع المشترك باستقبال عمالة بنسبة معينة (مثلا 40%) من القطاع العام وذلك شرط أن يجتاز المرشحين اختبارات القبول وفترات التجربة التي يضعها القطاع المشترك، طبعاً من المفترض أن أجور القطاع المشترك أعلى بشكل معتبر من أجور القطاع العام ، الامر الذي سيعتبر محفزاً لانتقال العاملين إليه).

فوائد إضافية:

إن توظيف القطاع الخاص في التنمية عبر القطاع المشترك سيساهم في رفع جودة النشاط الاقتصادي في القطاع الخاص والعدالة الاجتماعية بشكل عام ، حيث سيحتم على القطاع الخاص أن يلتزم بالقوانين والمعايير وإشراك العاملين في التأمينات والضمان الصحي وورفع جودة المنتج المقدم والالتزام بالمعايير الحكومية في المراقبة المالية والاستثمار، وذلك لأنه سيخضع للمراقبة من قبل الجهات الرقابية المختصة كما سيتيح إمكانية المراقبة من قبل المنظمات غير الحكومية الذي يفترض أن يصاغ قانون مناسب لنشاطها.

نُشِرت في تنمية | أضف تعليق

إصلاح القطاع العام في البلدان النامية-الجزء الثاني

people_lots
الفساد ومشكلة فائض العمالة

الكاتب: محمد غياث العلبي

عند سؤال أي مواطن عبر أحد البرامج الاستطلاعية حول الأولويات التي يريدها من الحكومة ،فإن الإجابة غالباً ما تكون مكافحة الفساد، والذي غالبا ما يترجم ذلك بالإعلان عن مقاضاة أو كف يد عدد من الفاسدين، وقد تنتقل العدوى إلى عدد من المتنفذين فيعتبرها جزءا من أولوياته، ولكن في الواقع الفاسد مثل الإرهابي، لا يمكن القضاء عليه وإنما يجب إصلاح البيئة التي أدت لإنتاجه!!!

غالبا ما يتبادر إلى ذهن الناس عند الحديث عن الفساد ، أولئك الفاسدون الذين يقومون بالصفقات الضخمة ويحولون كميات كبيرة من الأموال إلى حساباتهم في الخارج، لكن أولئك هم ببساطة رأس جبل الجليد أو ذروة الظاهرة، أما ما تبقى من جبل الجليد فهو ينطوي على العديد من العوامل، ولكن قبل الحديث عن هذه العوامل يجب أن نبين ما هو الفساد؟

الفساد بشكلة المعروف والذي هو حصول جهة ما على مبلغ مالي من جهة ثانية بشكل غير شرعي مقابل ممارسلة سلطة مفوضة لهذة الجهة وذلك بهدف تقديم فائدة للجهة الثانية هو ببساطة التعريف الخاص، أما التعريف العام للفساد أو ما يعرف بالفساد الإداري فهو ممارسة أي عمل بطريقة غير كفوءة وفعالة تسبب هدر موارد أو الضرر بأي طرف من الأطراف الداخلين في هذا العمل وبناء على هذا التعريف نعرف 18 نوع للفساد الإداري:

الرشوة.
الاختلاس.
سرقة الوثائق.
تدمير السجلات الرسمية بطريقة غير شرعية.
تجاوز الحدود القانونية للصلاحيات.
إساءة استخدام السلطة.
إعاقة تنفيذ العدالة.
استخدام الممتلكات الحكومية أو ساعات العمل فيها للصالح الشخصي.
رفض إنجاز المهام بدون حجة قانونية.
إخفاء الحقيقة.
زيادة الموجودات بشكل غير قانوني.
تزوير الوثائق.
إساءة تمثيل السلطة مثل التظاهر بالحصول على مرجعية رسمية لرفض أو قبول موافقات حكومية.
الحصول على أي شكل من أشكال الهدايا مقابل إنجاز أو منع تنفيذ أعمال رسمية.
تأجيل تنفيذ الواجبات الموقعة.
عدم الالتزام بقواعد السلوك الرسمي.
إقحام قضايا عرقية أو طائفية أو مناطقية أو دينية أوشخصية أو تلك المتعلقة بالجنسين وذلك في إنجاز الواجبات الموكولة.
العمل على منع تنفيذ استراتيجية مكافحة الفساد أو عدم العمل بها.
دعنا الآن ننظر إلى مشكلة فائض العمالة ، والتي تتلخص بادعاء الحاجة من قبل المؤسسات الحكومية للكوادر وما يستتبع ذلك من نفقات وتأهيل وتأمين أماكن، ومن ثم إدعاء الحاجة لأعمال لهذه الكوادر، كما أن فائض العمالة يسبب الكثير من الآفات الاجتماعية والسلوكية، مثل القبول بالتواجد في مكان العمل على أنه عمل ، ومن ثم المطالبة بتعويضات مقابل هذا التواجد والكسل والإهمال وتجاوز القوانين وعدم الالتزام بالدوام والثرثرة والطمع الغير مبرر وانخفاض جودة العمل وعدم المساواة حيث غالبا ما يقع عبئ العمل على فئة قليلة من الأفراد والباقي متفرجون ويصارعون من أجل الحوافز والامتيازات والمناصب.

أما على المستوى الوطني، فإن من نتائج ذلك انخفاض الدخل الوطني وهدر القوة العاملة والترهل الإداري وانتشار الفقر وتراجع القيم الاجتماعية وانتشار الفساد فلو نظرنا إلى لائحة أنواع الفساد فإننا سنجد معظم القائمة تتأثر بشكل أو بآخر بمشكلة فائض العمالة.

غالبا ما يتم الخلط بين الجوانب العاطفية المباشرة وفائض العمالة في القطاع العام، حيث يعتبر التوظيف الزائد عن الحاجة هو نوع من المساعدة الإجتماعية و تحسين مستوى المعيشة ، ولكن ذلك له تاُثير مدمر على المدى البعيد، حيث تعتبر مسألة تخفيض العمالة من أهم القضايا التي تواجه الدول لاصلاح قطاعها العام.

تعتبر الخطوة الأساسية في حل هذه المشكلة هو “تقييم الوضع الحالي” وذلك من خلال إعداد تقييم مستقل من قبل جهة مستقلة وغير حكومية ، حيث يبين هذا التقييم حجم الأعمال والخدمات التي يقدمها القطاع العام وحجم العمالة الضورية لإنجاز هذه الأعمال بحيث يعتبر هذا التقييم هو نقطة مرجعية لمعالجة المشكلة على أن يتم مراجعته دورياً.

لكن المشكلة الأكبر والمستعصية هي أن الجميع يعلم أن هناك فائض عمالة ولكن كيف يمكن حل هذه المشكلة بدون التسبب بمشاكل أكبر؟

يتبع…

نُشِرت في تنمية | أضف تعليق